عبد الملك الجويني

474

نهاية المطلب في دراية المذهب

بالمقام تحت زوجها بعد انقضاء المدة ، وإذا صدر ذلك منها ، ثم بدا لها أن تعود إلى الطلب ، فلها ذلك ؛ فإنها ما رضيت بعيبٍ في زوجها ، وإنما رضيت بما لحقها من الضرار ، وهو متجدد عليها في الزمان المستقبل . وسر هذا الفصل يوضحه ما نصفه ، فنقول : الحقوق التي لا مقدار لها ، ولا انحصار ، لا يصح إسقاطها . نعم ، اختلف القول في أن ما لم يجب ، وثبت سببُ وجوبه ، هل يصح الإبراء عنه على شرط التقدير ، وكذلك اختلف القول في ضمان ما لم يجب ، وثبت سببُ وجوبه . فلا جَرَم نقول : لو أبرأت المرأة زوجها عن نفقة خمسين سنة من السنين المستقبلة ، فليس لها حق الفسخ بالإعسار حتى تنقضي هذه المدة ، ولو قالت امرأة المولي : أسقطت حقي من طلب الفيئة سنة ، فلست أرى لهذا الإسقاط حكماً ، والإبراء إنما يصح في حقوق ثابتة ، ولا حق للمرأة على الزوج في الاستمتاع ، وإنما يثبت لها طلب الفراق للضرار ، فإلى ماذا يضاف الإبراء ، وحاصل قولها يؤول إلى بذل اللسان بمصابرة الزوج مع إضراره ، ولا حاصل لذلك . ومما يتصل بهذا أنا إذا فرعنا على الأصح ، وانقضت المدة ، فرضيت ، ثم عادت إلى الطلب ، فقد قال الصيدلاني : لا بد من ضرب مدة أخرى ، وإن كنا نرى أن المهلة لا تجدّد ، كما تفصّل المذهب ، واعتل بفقه حسن ، فقال : رضاها يُسقط ما تقدم ، فإذا عادت فكأنها مطالِبة على الابتداء فيعتبر المَهَل ، ثم طلب أن يفرق بينها وبين امرأة المولي ؛ فإنها بعد انقضاء المدة [ لو رضيت ] ( 1 ) بالمقام تحت الزوج ، ثم بدا لها ، لم نَضرب مدةً أخرى أربعة أشهر ، بل هي على حقها الناجز ، فقال : تلك المدة اقتضى النص ضربها غير متعلّقة بطلبها ، والمهل في الإعسار بالنفقة يتعلّق بطلبها ، فإذا رضيت ، سقط أثر المهل . وليس يبعد عندي أن يقال : لا يُضرب مهلٌ آخر في الإعسار ، حيث انتهى التفريع إليه كالإيلاء ، والفرق ليس بالواضح ؛ فإن امرأة المولي رضيت بما لحقها من الضرار في المدة .

--> ( 1 ) في الأصل : ولو رضيت .