عبد الملك الجويني

424

نهاية المطلب في دراية المذهب

رخاءُ الأسعار وانخفاضُها وارتفاعها ، فالرجل في المكان الذي تتّسع الأقوات فيه يتبلّغ بمقدارٍ من المال لا يتبلّغ بمثله في موضع تغلو الأسعار فيه ، [ ولن ] ( 1 ) يكون الطالب واقفاً على دَرْك اليسار والإعسار والتوسط ما لم نمزج ملكَ المال بما أشرنا إليه من رخاء الأسعار وغلائها ؛ فإن الغرض في كل باب من الإعسار واليسار على حسب ما يليق بالمقصود منه ، فإذا كنا نبغي الكلام في أقدار النفقات ثم دُفعنا إلى النظر في المراتب ، فالوجه اعتبار اليسار على وجهٍ [ لا يُنافي ] ( 2 ) النفقة الدارّة ، ومن ضرورة ذلك ما أشرنا إليه من اعتبار الأسعار رخاءً وغلاء . فانتظم مما ذكرناه أن الموسر من لا يتأثر بالمُدَّين ، والمتوسط من يتأثر بالمُدَّين ولا يتأثر بالمد والنصف ، والمعسر مخرّج على ما قدمناه . وهذا نجاز الكلام في أقدار النفقات . 10084 - فأما الكلام في الجنس المخرَج ( 3 ) ، فإن كان في البلد الذي فيه الكلام قوتٌ واحد غالب يستوي في اقتياته أهل الموضع على اختلاف درجاتهم ، فلا شك أن المعتبر ذلك الجنسُ ، ولا يتأتى هاهنا أن نقول : يعتبر القوت الغالب ، أو يعتبر قوت كل شخص ؛ فإن القوت إذا عم طبقاتِ الخلق ، على ما صورنا ، فقوتُ كل شخص هو القوت الغالب . وإن لم يكن في الموضع قوتٌ غالب نحكم بغلبته ، ولكن كانوا يقتاتون على حسب الدرجات أقواتاً مختلفة ، فلا وجه - والحالة هذه - إلا وأن نعتبر في حق كل شخص قوتَه جنساً ؛ إذ لا غالب ، والأقوات متعارضة ، ولا بد من متعَلَّق ، ونحن مدفوعون إلى مسالك ضيّقة ، نقنع فيها بأدنى متعلَّق ، فيكون الجنس في اعتبار حال الزوج معتبراً بالقدر ، وقد ذكرنا أن النظر إلى حال الزوج في يساره ، وتوسطه ، وإعساره في المقدار ، فليكن النظر إليه في جنس القوت .

--> ( 1 ) في الأصل : فلو . ( 2 ) في الأصل : لا يتأتى . ( 3 ) هذا هو الفصل الثاني من الفصول التي وعد بها الإمام في صدر الباب .