عبد الملك الجويني

408

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإن لم توجد دعوى الرضاع من الرجل ولا المرأة ، ولكن شهدت الأم والبنت على الرضاع المحرم حسبةً ، فالوجه عندنا قبول هذه الشهادة ؛ فإنها ليست بأن يقال : هي لها أولى من أن يقال : هي عليها ، والوجه أن يقال : ليست لها ولا عليها ، وإنما هي شهادة أقيمت لله تعالى ، فهذا المقدار غرضُنا من هذا الفصل . 10069 - فأما القول في تحمل الشهادة ، فينبغي أن يكون التحمل على علم وبصيرة ، فإذا رأت المرأةُ أو الرجلُ الرضيعَ قد التقم الثديَ من ذات لبن ، وهو يمتص والصبي ينهش والحنجرة تترقى وتنخفض ، وقد ينضم إليه جرجرةٌ عند البلع والتجرع ، فهذا القدرُ يفيد العلمَ بوصول اللبن إلى الجوف ، ومن ظن أن هذا اكتفاءٌ في التحمل بغلبة الظن ، فليس على بصيرة في الباب ؛ فإن القرائن التي ذكرناها تُثبت العلم الحقيقي بوصول اللبن ، نعم ، قد يكتفي الشاهد بالظنون الغالبة فيما لا يتصور فيه العلم ، ثم يسوغ له أن يجزم الشهادة ، وعلى هذا النحو يتحمل الشاهد الشهادة إذا شاهد اليد والتصرف على ما يقرّر في موضعه ، وهذا لا يفيد العلم بالملك ، ولكن يجوّز الشهادة على الملك إذا اجتمعت هذه الأسباب . 10070 - فأما القول في صيغة الشهادة المقامة على الرضاع ، فلتكن الشهادة مجزومة ، ولو وصف الشاهد أو الشاهدةُ [ الأحوالَ ] ( 1 ) التي وصفناها عند التحمل ، لم تصح الشهادة . فإن قيل : هلا صحت والشهادةُ لا تعتمد غيرها ؟ قلنا : نعم تلك الأحوال تفيد العلم لمن يعاينها ، [ ويدرك بالعيان منها أموراً ] ( 2 ) دقيقةً هي المفيدة للعلم ، والعبارات لا تدركها ، فلا بد من جزم الشهادة ، كما وصفتُها . ثم في هذا الطرف تردُّدٌ في أمر أصفه ، وهو أنا هل نشترط أن يصرح الشاهد بوصول اللبن إلى جوف الصبي ، أم يكفي أن يقول : أشهد أن فلانة أرضعته خمساً في الحولين ؟ هذا مما يتردد فيه فحوى كلام الأئمة ويظهر أثر التردد على تفصيلٍ .

--> ( 1 ) زيادة لا يستقيم الكلام بدونها . ( 2 ) في الأصل : ويدري العيان منها أموراً . والمثبت من صفوة المذهب .