عبد الملك الجويني
401
نهاية المطلب في دراية المذهب
الاجتهاد لا مساغ له في ذلك ، ومن ادعى أن المرتضع يجد من نفسه ميلاً إلى أب الرضاع ، فالذي يأتي به خُرْقٌ ؛ فإن الميل لا يتحقق إلى المرضعة إلا عن إلفٍ ينشأ الصبي عليه ، فإن ذلك ليس من آثار الرضاع ، وفي بعض التصانيف : " أن الولد المرتضع في أوان الانتساب لا يتبع الإرادة وإنما نتبين انتسابه إلى أحد الرجلين في جهة الرضاعة على اجتهاد " هذا لفظه ، فلست أدري أنه أراد به ما يجده بزعمه من ميل النفس ، أو أراد بالاجتهاد التمسك بسببٍ يغلّب على الظن أن الولد للأول أو للثاني ، وعلى أي وجه حُمل ، فلا أصل له ؛ فإن الميل باطل ، والاجتهاد لا أصل له في هذا الباب ؛ إذ لو كان عليه مُعوّل ، [ لعلّق ] ( 1 ) الشرع النسبَ به من غير انتساب المرتضع . ولست في تزييف هذا مختاراً لوجه التخير ، ولكن الرأي عندي تعميم التحريم ، وإبطال التخيّر والانتساب بالارتياد والاجتهاد . 10061 - ومما يجب التنبيه له أن الأصحاب أطلقوا في الكتب أن الرجل إذا علم أن واحدةً من امرأتين أو نسوةٍ معدودات أختُه من الرضاعة ، فلا يحل له أن ينكح واحدةً منهن ، وإنما ينكح إذا اختلطت بنسوة يعسر حصرهن ، وقد مهدنا ذلك في كتاب النكاح . والفرق بين هذا الذي ذكروه ، وبين تردد المرتضع بين الأبوين مشكل ، ولهذا اخترنا تعميم التحريم عند اليأس من تبيّن النسب بقول القائف ، أو انتساب الولد النسيب . وعند ذلك نقول : من أصحابنا من جوز نكاح إحدى المرأتين إذا كانت إحداهما أختاً ؛ أخذاً من القول الذي يجوّز للمرتضع مع انحسام اليقين في النسب أن يواصل أحدَ الرجلين ، وهذا القائل يقول : التي تزوجها لم يتحقق فيها تحريم عنده ، والأصل عدمُ الأخوَّة ، وهؤلاء يقولون : إذا كان مع الرجل إناءان في أحدهما ماء نجس ، وفي الآخر ماء طاهر ، فيجوز استعمال أحدهما من غير اجتهاد . وهذا المسلك مزيف ، والمذهب القطع بتحريم نكاح إحدى المرأتين ، مع اطّراد الإشكال .
--> ( 1 ) في الأصل : تعلّق .