عبد الملك الجويني

40

نهاية المطلب في دراية المذهب

9653 - وفيما قدمنا مباحثة في شيء واحد ، وهو أنا ذكرنا في أقسام المسألة أن الزوج لو قال : ما قذفتُها ، وما زَنَتْ ، فنفى القذفَ وبرّأها ، فليس له أن يلتعن . هذا سديد لا نزاع فيه . قال القاضي : إن أراد اللعان ابتدأ قذفاً جديداً ، وهذا فيه نظر ؛ من جهة أن قوله : ما زنت يتضمّن الإقرار ببراءتها من الزنا ، فإذا قذفها إنشاءً ، فَقَذْفُه المنشأ يناقض إقراره ببراءتها من الزنا ، فكيف يثبت قذفُه ، وهو مناقض لقوله الأول ؟ والممكن في الانفصال عن ذلك أن يقال : " ما زنت فيما سبق ، وقد زنت على قرب العهد " . والذي يحقق هذا أن الرجل لو برّأ إنساناً عن الزنا ، ثم قذفه ، فهذا قذفٌ موجبٌ للحد . فلو قال : هذا القذفُ غير منتظم منّي ، فإني قدمت الإقرار بالبراءة ، قيل له : قد آذيتَ بقذفك ، وتعرّضتَ للعِرْض المصون عن القذف بالحدّ ، فلا يراعى في القذف ، والمقذوفُ يزعم أنه كذَبَ - على كل حال - إمكانُ الصّدق . هذا هو الممكن في ذلك . والإشكال بعدُ قائم ؛ فإن التبرئة مطلقةٌ مسترسلةٌ على جميع الأزمان ، والقذف بعدها مناقض لها ، وقوله وإن كان قذفاً في حق المقذوف ، فهو مؤاخذ في حق نفسه [ بسابق ] ( 1 ) قوله . والذي استقر الكلام عليه أنه إذا برّأ من الزنا ، لم يصح القذف منه إلا أن يتخلل زمانٌ يمكن وقوع الزنا فيه ، فينشىء قذفاً ويلاعن ، ولكن لا يَسقُط الحدّ الأول ، إلا على مذهب سقوط حصانتها بلعانه ، كما سيأتي تفصيل ذلك . وبالجملة ما ثبت من القذف بالبيّنة مع ما أنشأه بمثابة ما لو قذف أجنبيةً ثم نكحها وقذفها في النكاح ، وسيأتي شرح هذه المسائل ، إن شاء الله عز وجل .

--> ( 1 ) في الأصل : يسابق .