عبد الملك الجويني

326

نهاية المطلب في دراية المذهب

فلا يتصور إذاً من هذه الجهة اجتماع سببين من شخصين مقتضيين للاستبراء ، بل السبب المتأخر ينسخ المتقدمَ ، ويقطعه ويستأصلُ موجَبه ، فإذاً لا يتأتى فرضُ اجتماع السببين من شخصين إلا في صورةٍ واحدة ، وهي أن يكون لرجلين جارية مشتركة ، فلو وطئاها ، فلا شك في تحريم الوطء ، فلو أرادا تزويجها وقد وُجد من كل واحد منهما ما يشغل الرحم ، ولو كانت مستخلصة لواحد ، ورام تزويجها بعد الوطء ، لم يجد إلى ذلك سبيلاً ما لم يستبرئها ، فإذا تعدد الشاغل ، فهل يقع الاكتفاء بحيضة ، حتى إذا مضت يسوغ تزويجُها ، أم لا بد من الاستبراء بحيضتين : حيضة عن هذا وحيضة عن الآخر ؟ فعلى وجهين : من أصحابنا من قال : لا بد من استبراءين لتعدد السبب والشخص ، قياساً على العدتين إذا وَجَبَتَا عن شخصين . ومن أصحابنا من اكتفى بحيضة واحدة ؛ فإن الغرض من هذا النوع من الاستبراء قيام علامة براءة الرحم ، وهذا المعنى يحصل بالحيضة الواحدة . وقرَّب أئمة المذهب هذا الاختلافَ من تردد الأصحاب في أصل الاستبراء وما هو المعتبر منه ، فمن زعم أن الاستبراء بالطهر ، كان ذلك منه تغليباً لمعنى التعبد ، وذلك يقتضي التعددَ إذا تعدد الشخص والسببُ ، ومن صار إلى أن المعتبر في الاستبراء الحيضُ دون الطهر ، لم يبعُد عنده الاقتصار على الحيضة الواحدةِ ؛ فإن سبيل دلالة الحيضةِ الواحدةِ إذا جرت على ترتب الأدوار كسبيل دلالة حيضتين فصاعداً . هذا قولنا في تداخل الاستبراءين وامتناعِ تداخلهما . 9972 - وأما القول في تداخل الاستبراء والعدة ، فإذا اشترى الرجل جاريةً معتدة ، فانقضت العدة ، فقد ذكرنا جوابي الأم والإملاء ، في أنه هل يجب بعد العدة استبراءٌ على المستبيح بالملك . وقد يخطِر للفطن أن هذا يتنشأ من اندراج الاستبراء تحت العدة نفياً وإثباتاً ، حتى إن حكمنا بالاندراج ، لم نوجب استبراءً مقصوداً بعد مدة العدة ، وإن لم نحكم بالاندراج ، أوجبنا الاستبراء بعد العدة . وهذا ليس على وجهه ؛ فإن الأئمة طردوا القولين في المشتراة المعتدة سواء بقي