عبد الملك الجويني
296
نهاية المطلب في دراية المذهب
اشتغالها بالرضاع إن كان يتعذّر استمتاع الزوج ، فنفقتها تُدَرُّ عليها ، وسيأتي تقرير هذا الأصل في كتاب الرضاع ، إن شاء الله . ولو أذن الزوج الأول للزّوجة في الإرضاع الذي يتعذر بمثله الاستمتاع ، فإن لم يكن الإرضاع واجباً عليها ، وكنا نجد مرضعةً سواها ، فإذنُ الزوج الأول في الإرضاع بمثابة ما لو أذن لها في أن تسافر في شُغل نفسها ، وقد اختلف القول في أنها لو سافرت بإذن زوجها في شُغل نفسها ، فهل تسقط نفقتها ؟ وإن كان إرضاعُها حتماً ، وكان في ترك الإرضاع ما يؤدِّي إلى ضَياع المولود ، فإذا أذن الزوج ، فهذا فيه تردُّدٌ عندنا : يجوز أن يقال : لا حكم لإذنه ؛ فإن الإرضاع مستحَقٌ ، وإذا أسقطنا أثر إذنه ، ففائدتُه سقوط النفقة قطعاً ؛ فإن الإرضاع وإن كان واجباً ، فهي التي تسببت إلى ذلك ، وجرّت إلى نفسها الإرضاع . ويجوز أن يقال : إذا أذن لها في الإرضاع - وإن كان واجباً - فالمسألة تُخرّج على القولين المذكورين فيه إذا سافرت بإذن زوجها في شغل نفسها . ولو أذن السيد لعبده في الإحرام بالحج ، لم يمكن تحليله ، وأبو حنيفة يقول : له أن يحلله ؛ فإن إذنه في الإحرام لغوٌ ، مع تصور الإحرام منه ، وتلك المسألة تنفصل عما نحن فيه ؛ فإن الشافعيَّ حمل الإذن في الإحرام على استدامته ، وليس يتحقق مثلُ هذا فيما نحن فيه ، فإن ابتداء الإرضاع وإدامتَه جميعاً واجبان في الصورة التي ذكرناها . وقد يتصل بالتفريع على القول الجديد ما أشار إليه المزني ، وهو أن الزوج في الغيبة لو مات ، وتبين فساد النكاح الثاني ، فيجتمع عليها عدة الوفاة ، وعدة الوطء بالشبهة . وقد تمهد القول في أن العدتين لا تتداخلان ، وذكرنا الفرق بين أن يتقدم موجَب العدة من جهة الزوج وبين أن يتأخر ، ولا حاجة بنا إلى إعادة تلك الفصول . * * *