عبد الملك الجويني
23
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولم يختلف أصحابنا في شيء إلا في الشهادة ، فإن منهم من قال : هو من أهل الشهادة كالناطق ، والأظهر أنه مردود الشهادة ؛ لأن الشهادة تتعلق بالغير ( 1 ) وللشرع تعبُّدٌ باعتبار كمالٍ فيها ، ولهذا لا نقبلها من الرقيق . فإذن الأخرس من أهل القذف ، ثم هو من أهل اللعان عندنا ، خلافاً لأبي حنيفة ( 2 ) . ويختلج في الصدر إشكالٌ في تأديته كلماتِ اللعان ، سيّما إذا عيّنا لفظَ الشهادة ، ولم نُقم غيرَها مقامها ، فكيف تُرشد الإشاراتُ إلى تفاصيل الصيغ . والذي ينقدح في وجه القياس ، أن كل مقصود لا يتخصص بصيغةٍ من لفظٍ ، فلا يمتنع إقامةُ الإشارة فيه مقام العبارة ، وما يتخصص بصيغة مخصوصةٍ ، فيغمضُ إعراب الإشارة عنها . ولو ( 3 ) كان في الأصحاب من يشترط في الأخرس الكِتْبة ( 4 ) إن كان يُحْسِنُها ، أو يشترط من ناطقٍ أن ينطق بالصيغة ويشير إليه بها ، ويقول : تشهد هكذا وهو في ذلك يقرّره ، ويُقرّب ( 5 ) الإشارةَ جهده ، فهذا يقرُب بعضَ القرب ، فأما إشارةٌ مجردة تدل على صيغةٍ مخصوصة لست ( 6 ) أهتدي إليها . 9637 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنه إذا أشار بالقذف ، وأشار بحكم اللعان إن أمكنت الإشارة بها ، ثم نطق فانطلق لسانه ، وزعم أني لم أُرد بالإشارة قذفاً
--> ( 1 ) ( ت 2 ) : تتعلق باللغة . ( 2 ) ر . مختصر اختلاف العلماء : 2 / 508 مسألة 1054 ، المبسوط : 7 / 42 ، رؤوس المسائل : 432 مسألة 303 . ( 3 ) ولو كان في الأصحاب من يشترط في الأخرس الكِتبة : ( لو ) هنا للتمني ، فالإمام يتمنى لو كان هذا رأياً للأصحاب ، حكى الرافعي هذا الكلام عن الإمام ، ثم قال : " جاء الغزالي ، فقال ما تمنى الإمام أن يكون في الأصحاب من يقوم به ، وحكاه في البسيط عن بعض الأصحاب ، وهو كالمنفرد بالقول به " ا . ه كلام الرافعي ( ر . الشرح الكبير : 9 / 398 ) . ( 4 ) الكِتْبة : الكتابة ( المصباح ) . ( 5 ) ( ت 2 ) : ويقرب الإشهاد جهته . ( 6 ) لستُ : جواب ( أما ) بدون الفاء .