عبد الملك الجويني
16
نهاية المطلب في دراية المذهب
البياضِ ، فأتت المرأة بالولد أسودَ ينأى لونُه عن لون الوالدين نَأْياً بعيداً ، فهل يجوز التعويل على ذلك ؟ قالوا : في المسألة وجهان : ولم يقيّدوا كلامهم بانضمام الزنا أو التهمة الظاهرة ، إلى ما ذكرناه . وظني بهم أنهم أرادوا ما ذكروه مع الزنا أو ظهور أمارة الزنا ، وإذا كان كذلك ، فهو في معنى الشبه ، وإن كان يُحمل لونه البعيد على عرق نازعٍ من أحد الجانبين ، فمثل ذلك ممكن في الشبه ؛ فإنَّ الأجانب قد يتشابهون ، وتُلقى مَشابهُ شخصٍ على شخص ، وتعرُّضنا فيما ذكرناه للّون ؛ إذ لا اعتبار بغيره من الخَلْق ، فقد تلد حُسنى من أحسن الناس خَلْقاً ولداً مشوه الخَلْق ، وقد تأتي به ناقص الخَلْق . فأما اللون البعيد ، فهو الذي يثير غلبة الظن في انتفاء الولد . ولو قرب اللون ، فلا أثر له ، كالأُدْمة والسمرة ، والشُّقرة القريبة بالإضافة إلى البياض في الأبوين ، فهذا كتفاوت الخَلْق . وقد انتجز الأصلان الموعودان جرياً على أبلغ وجه في البيان ، نقلأ [ عن ] ( 1 ) الثقة ، وتنبيهاً على محالّ الإشكال . 9627 - ثم الذي نحب اختتام الفصل به أن تعويل الشرع في ظاهره على إلحاق النسب بمجرد العلوق في النكاح ، وإن بعد ، حتى إذا فرض الإتيان بالولد لستة أشهر فصاعداً من وقت النكاح ، لحق النسب ، وإن لم تُزفُّ الزوجةُ إلى الزوج ، إذا كان التقاؤهما ممكناً . وإن لم يكن إمكان أصلاً ، لم يلحق النسب ، وقال أبو حنيفة ( 2 ) : يكفى أن يمضي من النكاح مدةُ الإمكان ، وإن قطعنا بامتناع العلوق من الزوج ، بأن يكون أحدهما في الشرق والآخر في الغرب . هذا حكم الشرع ، وللزوج أن ينفي بالوجوه التي ذكرناها في الأصل الثاني ، ثم الشرع لا يحتكم عليه بأن يبين تلك الأسباب التي بانت له ، بل هو مؤاخَذٌ برعايتها بينه
--> ( 1 ) في الأصل : على . ( 2 ) ر . حاشية ابن عابدين : 3 / 551 ، فتح القدير : 2 / 314 .