عبد الملك الجويني
159
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإذا كنا نتوهم عَوْد الحيض بزوال العلة ، فلا وجه إلا انتظار ذلك ، فإن تمادى الانتظارُ حتى انتهت إلى سن اليأس ، فتعتد إذ ذاك بالأشهر ، وتندرج تحت قوله تعالى : { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ } [ الطلاق : 4 ] الآية . 9782 - وإن ارتفعت حيضتها من غير سبب وعلة ظاهرة ؛ فللشافعي ثلاثة أقاويل في اعتدادها : قولان في القديم ، وقول في الجديد ونجمع الأقاويل : أولاً قولان : أحدهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أنها تنتظر سن اليأس ، ثم تعتد إذا انتهت إليه بثلاثة أشهر . والقول الثاني - أنها لا تنتظر سن اليأس ، وعلى هذا القول قولان منصوصان في القديم : أحدهما - أنها تتربص تسعة أشهر ، ثم تعتد بثلاثة أشهر ثم تنكِح ، وروي مثل ذلك عن عمر ( 1 ) : " قضى به في التي ارتفعت حيضتها " ، وقلّده الشافعي في القديم ، وكان يرى إذ ذاك تقليدَ أئمة الصحابة ، وقال في القديم في توجيه ذلك : أمير المؤمنين قضى به بين يدي المهاجرين والأنصار ، ولم ينكر عليه أحد ، وأشار أيضاً إلى أن الحمل في الغالب لا يمكث في البطن أكثرَ من تسعةِ أشهر ، فوقع الاكتفاء بذلك في الاستظهار . والقول الثاني - أنها تتربص أربعَ سنين ، ثم تعتد بثلاثة أشهر ، وتنكِح ؛ إذ الحمل قد يمكث في البطن أربع سنين ، فبلّغنا أمد الاستظهار مبلغاً يفيدُنا يقينَ البراءة ، ثم لا بد من العدّة بعد ذلك تعبداً ، فتتربص ثلاثة أشهر . ثم أنكر الشافعي في القديم على القولين الردَّ إلى سن اليأس لما فيه من المضرّة العظيمة واستمرار الأَيْمة ( 2 ) في معظم العمر ، ثم إذا بلغت سنَّ اليأس ، تقاعدت الرغبات عنها ، ويعظم الضرر على الزوج من مؤونة العدة .
--> ( 1 ) قضاء عمر في التي ارتفعت حيضتها ، رواه مالك في الموطأ ( 2 / 582 ح 70 ) ، والشافعي ( ترتيب المسند 2 / 58 ح 190 ) ، وعبد الرزاق في مصنفه ( 6 / 319 ) ، والبيهقي في المعرفة ( 11 / 190 ) . ( 2 ) الأَيْمة : مصدر آمت المرأة : أيْماً وأُيوماً وأيمة . إذا أقامت بلا زوج ، بكراً كانت أو ثيباً ( المعجم ) .