عبد الملك الجويني

144

نهاية المطلب في دراية المذهب

ووجوب العدّة مع القطع بالبراءة يدل على أن وجوب العدة لا يتوقف على شَغْل الرحم . ثم هذه العدة تتعلق بوضع الحمل وغيره ، فإذا وضعت الحمل بعد الفراق ، ولم يكن الرحم مشتملاً على غير ما وضعت ، فقد انقضت عدتها ، قَرُبَ الزمانُ أو طال . وإن كانت حائلاً ، فلا يخلو إما أن تكون من ذوات الحيض وإما ألا تكون منهن ؛ فإن لم تكن من ذوات الحيض ، فعدتها بالأشهر ، على ما سيأتي في أثناء الكتاب . 9764 - وإن كانت من ذوات الحيض ، فعدتها بالأقراء ، قال الله تعالى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } [ البقرة : 228 ] . واختلف العلماء في القُرء ومعناه في الشرع ، فذهب أبو حنيفة ( 1 ) إلى أن القرء الحيض ، وقيل : كان هذا مذهباً للشافعي ، وكان أبو عبيد ( 2 ) يعتقد أن القرء هو الطهر الذي يحتوشه حيضان ، فالتقيا رضي الله عنهما وتناظرا ، وكان الشافعي يورد عليه من قضايا الأحكام ما يدل على أن الاعتبار بالحيض في العِدة ، وأبو عبيد يورد من قضايا اللسان ما يدل على أن القرء الطهر ، فافترقا ، وقد أخذ الشافعيُّ مذهبَ أبي عبيد ، وأبو عبيد مذهبَ الشافعي . وهذه حكاية لا تعويل عليها ؛ فإن الشافعي كان بحرَ ( 3 ) اللغة ، وأبو عبيد من نَقَلَتها ، وإنما كان ينقل الأئمةُ اللغة من الشافعي ومَنْ في درجته في اللسان ، فلا يُعرف للشافعي مذهبٌ في القرء سوى ما يعرفه أصحابه الآن ، ولو كان ذلك مذهباً له ، لنقل نقلَ الأقوال القديمة . وقد اضطربت أقوال العلماء في معنى القرء في اللغة : فذهب أصحاب أيي حنيفة إلى أنه الحيض ، وذهب أصحاب الشافعي إلى أنه الطهر .

--> ( 1 ) ر . مختصر اختلاف العلماء : 2 / 385 مسألة 890 ، المبسوط : 6 / 13 ، طريقة الخلاف : 141 مسألة 59 . ( 2 ) في الأصل : أبو عبيدة . والمعني هنا هو : أبو عبيد القاسم بن سلام ، وقد سبقت ترجمته في الفرائض . ( 3 ) ضبط ( بحر ) في الأصل بالرفع .