عبد الملك الجويني
124
نهاية المطلب في دراية المذهب
قدمنا أنّ القول قول المقذوف ، وعلى القاذف إثباتُ ما ادّعاه ، وقد سبقت نظائر هذه المسألة . ولو قال : كنتُ مرتداً فأسلمت ، وجرى قذفُك بعد إسلامي ، فلا يقبل ذلك منه . نعم ، له أن يحلّف القاذف . وكل هذا مما تمهدت أصوله فيما سبق . 9742 - ولو قال : قذفتكِ وأنت صغيرة ، وأقام على قذفها في الصغر بينةً ، وقالت : بل قذفتني وأنا كبيرة ، وأقامت بينةً على حسب قولها ، فإن كانت البينتان مطلقتين أو مؤرختين بتاريخين مختلفين ، فقد ثبت قذفان ، ويتوجّه الحد بالقذف الثابت في حالة الكبر . وإن وقع التعرضُ لوقتٍ واحد ، وآل النزاع إلى كونها صغيرةً في ذلك الوقت أو بالغة ، فلو أقامت المرأة بيِّنة على أنها كانت بالغةً في ذلك الوقت ، وأقام القاذف شاهدين على أنها لم تكن بالغةً في ذلك الوقت ، فهذه شهادة على النفي ، فإن وقع التعرض لإثبات الحيض ، فنفيه مردود والتعويل على الإثبات . وقد يعترض في هذه المسألة سؤال ، وهو أن قائلاً لو قال : كيف يمكن إثبات الحيض ، ولا اطلاع على ذلك إلا من جهتها ، إذ لو فرض اطلاع على ظهور الدّم من منفذه على صفة الحيض ، فقد تعلم تلك أنه دمُ فسادٍ راجعةً إلى ترتيب أدوارٍ ، وهي أعرف بها من غيرها ، فكيف سبيل تصور الشهادة على الحيض ؟ قلنا : ليس يبعد ذلك ؛ فإن نسوة لو رأين نفوذ الدم في أول وقت إمكان البلوغ ، ثم تمادى الدم إلى انقضاء أقل الحيض ، فيمكن فرض العِيان على عُسرٍ فيما ذكرناه ، ويمكن حمل الشهادة على إقرارها بالحيض في ذلك الوقت ، والنزاع مفروض بعد انقضاء زمانٍ من تاريخ الإقرار . هذا وجه التصوير . ومما نجريه في ذلك : أنها لو أقامت بينة على أنها كانت بالغة في ذلك الوقت ، وأقام القاذف بينة على أنها كانت صغيرة في ذلك الوقت ، فالصغر في ظاهر الأمر صفةٌ ثابتة ، ولكنه يكاد يرجع في هذا المقام إلى النفي ؛ إذ المقصود منه عدم البلوغ . هذا وجه .