عبد الملك الجويني

115

نهاية المطلب في دراية المذهب

والتعويلُ على ظاهر المذهب . ولو أقام المدعي شاهداً واحداً ، وهو مُشمّرٌ لإقامة شاهدٍ آخر ، وطلب من الوالي حبسَ المشهودِ عليه إلى قيام الشاهد الثاني ، ففي المسألة وجهان - وفي نص الشافعي تردد - نشير إليهما : أحدهما - أنه لا يحبس ؛ لأن الشاهد الواحد ليس بحجة ، وليس كالشاهدين إذا جهل القاضي حالَهما ؛ فإن العدالة إذا بانت ، تبين لظهورها قيامُ الحجة مستنداً إلى وقت الشهادة ، لكن علم القاضي لم يكن محيطاً بحقيقة البيّنة ، والحبس في الأمر القريب لائقٌ بمسالك السياسة صيانةً للحقوق عن البطلان ، وإذا استُعدي الوالي على شخص ، فالارتفاع إلى مجلسه قد يُتْعِبُه ، وذلك قبل ثبوت الحق ، ولكن لا بد من احتمال ذلك ، فلا تقوم الإيالة دونه . والوجه الثاني - أنه يُحبس ، لأن الخَصْم ساعٍ في إكمال البينة ، وقد لا يتفق حضور الشاهدين معاً ، ولو خلَّينا المدَّعى عليه ، لولّى ، وغيّب وجهه عنا ، ثم إن لم يأت المدعي بالشاهد في الزمان الذي يتوقع في مثله إكمال البينة ، خلّينا سبيل المدعى عليه . وهذا الفصل من أركان البينات والدعاوى ، والوجهُ تأخيره إلى موضعه ، ولكن التزام الجريان على ترتيب السواد قد يقتضي مرامزَ إلى مقدماتٍ ، ولا ينبغي للناظر المنتهي إلى ما يُذكرُ بحق ( 1 ) السواد أن يطلب تحقيقَ الفصل منه ، فهذا مما يحال على كتاب الدعاوى والبينات . 9730 - ومما نرمز إليه لانتظام الكلام أن من ادعى دَيْناً على إنسان ، وأقام شاهدين وأقبل القاضي على البحث ومراجعة المزكِّين ، فالمذهب أن المدّعى عليه يحبس كما إذا كان المدَّعى حدّاً : قذفاً أو قصاصاً ؛ فإنا إذا رأينا الحبسَ تفريعاً على الأصح في العقوبات ، وشأْنُها الاندراءُ بالشبهات ، فهذا في الأموال أولى . [ وقال ] ( 2 ) الإصطخري : لا يحبس المدعى عليه في المال ، وإن رأينا الحبس في

--> ( 1 ) بحق السواد : أي من أجل الجريان على ترتيب السواد . ( 2 ) في الأصل : فقال .