عبد الملك الجويني

109

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإن قال : زنيتَ اليومَ ، وكان تقدم منه الزنا منذ سنين ، فهذا موضع النظر ، فالقاضي قاطع بأن الحد لا يلزم . ويظهر عندنا الحكمُ بلزوم الحد ، [ إذا ظهرت ] ( 1 ) التوبةُ وقُبلت الشهادة ، قَبْل الزنا المذكور في صيغة القذف ، وإذا كنا نذكر قولاً في الزنا بعد القذف ، فهذا يهوّن أمر ارتفاع حكم الزنا السابق بالعفة اللاحقة . وكان شيخي يقول مفرعاً على أن الزنا بعد القذف يُسقط الحد : هذا دليل على أن [ مقدمات ] ( 2 ) الزنا إذا ظهرت ، قدحت من العفة ، ووجهُ الاستدلال أن الزنا المتأخر لا يدل على زناً آخر مقترنٍ بالقذف أو متقدم عليه ، وإنما يدل على أن الزنا لم يقع فجأة ، وإنما تقدمت عليه مقدمات . وهذا ظنٌّ لا تعويل عليه ، ولم يصر أحد من الأصحاب إليه ، ولكن الزنا يُسقط العفة ، ويبين أن الرجل عديمُ العِرض ، وإن لم تسبق منه مراودة ، فهذا ما يجب تنزيل المذهب عليه . 9724 - وقد حان الآن أن نتكلم في جهات الوطء وما يؤثر منها في العفة وما لا يؤثر . والوجه أن نرسُمَ مسائلَ نأتي بها أرسالاً ، ثم نذكر بعد نجازها ضوابطَ ، فنقول : أما الزنا الذي يوجب الحد ، فلا شك أنه يخرِم العفةَ ويُبطلها ، ولو وطئ أخته من الرضاعة أو النسب في ملك اليمين ، فإن قضينا بأن الحد يجب ، وهو أحد القولين ، فتبطل العفة لا محالة ، وإن قلنا : لا يجب الحد [ لشبهة ] ( 3 ) الملك ، ففي سقوط العفة وانهتاك العرض وجهان : أحدهما - أن العفة لا تسقط ، فإن المرعيّ العفةُ من الزنا ، وهذا الذي صدر منه ليس من الزنا . والوجه الثاني - أن العفة تسقط ؛ فإن من وطئ أختَه على علمٍ بالمحرّم ، تبين أنه

--> ( 1 ) في الأصل : وإذا ظهرت . ( 2 ) في الأصل : متقدمات . ( 3 ) في الأصل : بشبهة .