عبد الملك الجويني
108
نهاية المطلب في دراية المذهب
فرأيتُ للشيخ أبي علي في شرح التلخيص أن هذا قولُ الشافعي في القديم ، فانتظم إذاً قولان : أحدهما - وهو الصحيح المنصوص عليه في الجديد أن الحد يسقط ، ولا فرق بين أن يقرب الزمان المتخلل بين القذف والزنا [ وبين ] ( 1 ) أن يبعُدَ ويَتَمادَى . وفي المسألة قولٌ آخر - على ما حكاه الشيخُ ، وهو منسوبٌ إلى القديم - أن الحد لا يسقط . 9723 - [ ولا ] ( 2 ) خلاف أن المقذوف إذا ارتد ، لم يسقط الحد عن قاذفه بردّته ، وفي الفرق بين الردة وبين الزنا عُسرٌ ؛ فإن الزنا إن دلّ على إضمار خبث فيما سبق ، حيث إنه لا يتفق الهجوم على الزنا من غير إضمار [ ذلك ] ( 3 ) فيما تقدّم ، فكذلك الردة ، لا يُظهرها المرء إلا وقد سبقت منه ترددات . فمما قيل في الفرق أن الردة لا تصدِّق القاذف في معنى القذف ، والزنا يصدقه في معنى القذف على الجملة ، وهذا يؤول إلى أن أصل العِرض يُتلقى من عدم الزنا ، وباقي الصفات تكميل للعِرض . ثم قال القاضي : الزنا المتقدم على القذف يؤثر في إسقاط الحد ، وكذلك الزنا المتأخر ، ولو ارتد الرجل ، أو كان كافراً أصلياً ، ثم أسلم ، وقُذف ، وجب الحد على قاذفه ، فلما افترق الكفر والزنا إذا تقدما ، فلا يمتنع أن يفترقا إذا تأخرا . هذا كلامُ القاضي وتصرفُه . وفي النفس شيء من الزنا المتقدم ، وقد ذكرنا صدراً صالحاً فيه ، ونحن نزيده إيضاحاً وتفصيلاً ، فنقول : إذا سبق الزنا ، فقال القاذف : قد زنيتَ ، وصرح بما سبق منه ، فلا شك أنه ليس بقاذف ، وإن قال : زنيتَ مطلقاً وتردّد لفظه ، فالوجه القطع بأن الحد لا يتوجه عليه أيضاً .
--> ( 1 ) في الأصل : فبين . ( 2 ) في الأصل : فلا . ( 3 ) مكان كلمة غير مقروءة . ( انظر صورتها ) .