عبد الملك الجويني
54
نهاية المطلب في دراية المذهب
قلنا الصداق مضمون باليد ، ثم عاب في يد الزوج ؛ فإنا نثبت للمرأة تغريم الزوج الأرشَ ، والفرق أن الزوج ممسكٌ ملكَها بيدٍ ضامنةٍ ، على القول الذي نفرع عليه ، وموجب ذلك أن يغرَم لها أرش النقصان كما يغرَم المستعير والآخذُ على سبيل السوم ، والمرأة ليست حافظة للزوج ملكاً قبل الطلاق . فهذا ما ذكره الأئمة وفيه على حالٍ احتمال ، من جهة أن الصداق لو تلف قبل الطلاق ، لغرمت له نصفَ القيمة ، ومن يغرم القيمة بجهةٍ ، لا يبعد أن يغرَم أرشَ النقص بتلك الجهة . وإذا اشترى الرجل عبداً بجاريةٍ وجرى التقابض ، ثم وجد قابض العبد بالعبد عيباً ، فرده ، فإذا الجارية قد عابت عيباً حادثاً في يد قابضها ، فقد جرى العيب في دوام ملك قابض الجارية ، كما جرى العيب في الصداق في دوام ملك المرأة ، ثم إذا رَدَّ قابضُ العبدِ العبدَ ، فقد ظهر مصير الأصحاب إلى أنه يسترد الجارية مع أرش العيب الحادث ؛ فإنها لو تلفت ، لرد العبد واسترد قيمتها . وهذا قد ذكرته في أحكام العيوب في البيع ، وذكرت مضطرب الأصحاب فيه . ويجوز أن يقال : ليس الصداق كالمسألة التي استشهدنا بها ؛ من قِبل أن من ردّ العبد إنما ردّه لتخلّف سلامةٍ استحقَّها بالعقد ، [ فعهدةُ ] ( 1 ) التقابل في العوضين بيّنةٌ ، وهذا لا يتحقق في الصداق . فقد تحصل مما ذكرنا أن الذي ذكره الأصحاب في الطرق أن الزوج بالخيار إن شاء رضي بالنصف من غير أرش ، وإن شاء طالب بنصف القيمة ، وهذا بمثابة تعيّب المبيع في يد البائع من وجه . فإنا نقول : إن شاء المشتري ردّ المبيع بالعيب ، وفسخ البيع ، واسترد الثمن ، وإن شاء رضي به معيباً . فهذا ما رأيته للأصحاب ولم أر غيره ، وقد أومأت إلى وجه الاحتمال ، والظاهر ما ذكره الأصحاب في المعنى أيضاً ، هذا منتهى القول في تغير الصداق بالزيادة ، وتغيره بالنقصان .
--> ( 1 ) في الأصل : فعهد .