عبد الملك الجويني
36
نهاية المطلب في دراية المذهب
تفصيل ، ولا ننظر إلى العبارة ما اشتملت عليه ، وذلك لأنَّ الخنزير لا يقبل التقويم ، وكذلك الخمر ، فلو قوّمناهما ، لاستحال ، ولو قدرناهما نعجة وعصيراً ، كان هذا [ تقريراً ] ( 1 ) لتقدير الصفة الخِلْقية ، وليس كالرق نقدره في الحر ؛ فإنه حكم ، والتقدير أن يحتمل تقدير الحكم ، فأما أن يبنى على تغيير الخلق ، فهذا لا سبيل إليه ، فصار تعذر التقويم في الخمر والخنزير بمثابة [ تعذر ] ( 2 ) التقويم في المجهول ، ولا خلاف أنَّ من أصدق امرأته مجهولاً ، فالرجوع إلى مهر المثل . 8387 - وذهب القاضي والصيدلاني إلى إجراء القولين في الخمر والخنزير ، ثم بنى هؤلاء مسلكهم على العبارة ؛ فقالوا : إذا قال : " أصدقتكِ العصير " ، وهو من ذوات الأمثال ، فخرج خمراً ، ففي قولٍ نوجب مهر المثل ، وفي قولٍ نوجب مثل العصير . وإن قال : " أصدقتكِ هذه الخمر " ، فاللفظ فاسد على رأيهم ، والرجوع إلى مهر المثل . وعند ذلك تتفق الطرق . ولست أدري ما يقوله هؤلاء فيه إذا قال : " أصدقتكِ هذا " ، واللفظ لا فساد فيه ، ولم يجر فيه ما نعتمده في تقويمِ أو اعتبارِ مِثْلٍ ، والخمرة لا تتقوم ، فيظهر هاهنا أن ذلك ينزّل منزلة قوله : " أصدقتكِ هذا الخمر " ؛ فإنا لو لم نقل به ، لم يمكننا أن نعتبر الخمر بالعصير ، ولو فعلنا توجَّه أن نعتبرها خلاً ، ولا ضبط . ويبعد أن تُعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة - كما صار إليه بعض الأصحاب في أنكحة أهل الذمة إذا اتصلت بالإسلام ، وقد جرى القبض في بعض الخمور المجعولة صداقاً . وكل ذلك خبطٌ في هذا المقام ، والوجهُ : القطع بالرجوع إلى مهر المثل في تسمية الخمر ، وفي الإشارة المطلقة ، وليس كالإشارة المطلقة إلى الحر ؛ فإنّه قد يتجه تنزيلها منزلة قوله : " أصدقتكِ هذا العبد " فإنَّ تقويم الحر ممكن على حال .
--> ( 1 ) في الأصل : تقديراً . ( 2 ) في الأصل : تعذير .