عبد الملك الجويني

358

نهاية المطلب في دراية المذهب

ثم انقسم هؤلاء بعد الإجماع الذي حكيناه في محله ، فاكتفى المعظم بذكر العدد المطلق . وشرط العراقيون ذكر الجنس ، مثل أن يقول : " ألف درهم " ، ثم قالوا : يتعين بالنية نوع من الجنس ، وإن كانت الدراهم مضطربة في البلدة . والممكنُ في توجيه ما قالوه أن الشيء إذا ذُكر ، فهو لفظ مصوغٌ للإبهام ، وكذلك إذا أضيف إليه ، أو فسر العدد به ، فقيل عشرون شيئاً ، فلا تؤثر النية في إزالة الجهالة واللفظ موضوع لإثباتها . وإذا قيل : ألفٌ ، فبيانه إتمامٌ ، فاعتقدوا أن النية تتمم ، ثم خرّجوا هذا على تطريق الكنايات إلى النوايا بالطلاق ، وقالوا : عماد الخلع الطلاق ، فإذا كان لا يمتنع انعقاد الخلع بما هو كناية في الطلاق تعويلاً على النية ، [ فكذلك ] ( 1 ) البدل إذا ثبت ثبوت الكناية ، لم [ يبعد إتمامُه ] ( 2 ) بالقصد والنية ، ثم افتراق الأئمة في ذكر الجنس والسكوت عن النوع ، وأن هذا أهل ، ( 3 ) يشترط أم لا ؛ محمولٌ على ما نذكره . تخيّل ( 4 ) العراقيون أن الألف بمثابة الشيء ، فإذا وُصل بجنسٍ ( 5 ) ، كان النوع بعده إتماماً . وهذا إن صحت الطريقةُ خَورٌ وجبنٌ . والسبيل أن العدد المطلق مفسر بالجنس والنوع ، وهذا شديد الشبه بترددٍ حكيناه في أن بيع ما لم يره المشتري إذا صح ، فهل يشترط فيه ذكر الجنس أم لا ، وإن شرط معه ازديادٌ على الجنس ؟ فيه تردد قدمناه في موضعه . وهذا تقريب شبَهي ، والمأخذان مختلفان . والمأخذ الحقيقي هاهنا تشبيه أحد ركني الخلع [ بالعوض ] ( 6 ) ، والثاني - يعني تشبيه لفظ العوض - بلفظ الطلاق ، وقد تحققتُ أن الأصحاب لم يحتملوا هذا في

--> ( 1 ) في الأصل : وكذلك . ( 2 ) في الأصل : لم يتعدّ إتمامَه ( بهذا النقط والضبط ) . ( 3 ) في الأصل : قيل . ( وهو تصحيف خفيّ أرهقنا أياماً حتى ألهمنا الله صوابه ) . ( 4 ) قوله : " تخيل العراقيون . . . إلخ " كلام مستأنفٌ ، تفسير وبيان لقوله : " ما نذكره " . ( 5 ) قوله : " فإذا وصل بجنسٍ . . . إلخ " معناه أن الألف إذا وصل بجنس ، مثل أن يقول : " ألف درهم " يكون النوع إتماماً مثل أن يقول : " ألف درهم هروية " فالدرهم جنس ، والهروية نوع . ( 6 ) زيادة من المحقق ، اقتضاها السياق .