عبد الملك الجويني
300
نهاية المطلب في دراية المذهب
والوجه الثاني - أنه لا بد من قبولها ؛ فإن صيغة اللفظ مأخوذة من بناء المفاعلة . ووضع باب المفاعلة على التعلق بشخصين ، فإن كان مُشعراً بفعل كالمقاتلة والمضاربة ، فذلك الفعل يدور بين شخصين ، فإذا قال : خالعتك ، اقتضى هذا في وضع اللسان قبولَها ، فكأنه قال : إن قلتِ اختلعتُ ، فأنت طالق . وقد يتعلق الطلاق بالقبول ، وإن كان المال لا يثبت . والدليل عليه : أن الزوج إذا خالع زوجته السفيهة فقبلَتْ ، وقع الطلاق رجعياً ، ثم لا يثبت المال . ولو لم تقبل ، لم يقع الطلاق ، فلتكنَ المخالعة [ الخالية ] ( 1 ) عن ذكر العوض بهذه المثابة . والذي يقتضيه القياس في هذا ، أنه لو قال : خلعت عنك ، ولم يقل : خالعتك ، ونوى الطلاق ، فلا حاجة إلى قبولها ؛ فإن لفظه لم يصدر عن باب المفاعلة . فإذا تبيّن هذا مفرّعاً على أن اللفظ صريح ، ففيه تفصيل عندنا ، به يتم الكلام ، وهو : أن الرجل إذا قال : خالعتك ، ولم يقصد بذلك التماس الجواب منها ، وإنما قال على الابتداء : خالعتك ، وهي [ تنفي ] ( 2 ) تنجيز الطلاق ، فالوجه : القطع بأن الطلاق يقع ، فان اللفظ يحتمل [ التنجيز ] ( 3 ) من غير تعليق بالقبول ، وهو كما لو قال : قاطعتك وبارأتك ، فالكنايات يُكتفى بها بدون ما ذكرناه من الاحتمال . ولو قال : خالعتك ونوى طلاقاً ، [ و ] ( 4 ) هو يلتمس بذلك جوابها ، فها هنا قد يتجه الخلاف في أن وقوع الطلاق هل يتوقف على قبولها ؟ فالظاهر عندنا أنه إذا لم يثبت المال ، لم يتوقف على قبولها ؛ فإن الطلاق مما يتفرد الزوج به ، وليس وقوعه مرتبطاً بمال يتوقف لزومه على التزامها ، فلا وجه إلا تنفيذ الطلاق ، وقصدُه التماسَ جوابِها لا أثر له بعد ما نوى الطلاق . وسيأتي لذلك نظائر في مسائل التدبير من كتاب الطلاق ، إن شاء الله عز وجل .
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها استقامة العبارة . ( 2 ) في الأصل : تتقي . ( 3 ) في الأصل : التخيير . ( 4 ) ( الواو ) زيادة من المحقق .