عبد الملك الجويني

285

نهاية المطلب في دراية المذهب

فمن جُنَّ ارتفع التوكيل في حقه ، وإذا أفاق عن الجنون ، فالتوكيل زائل ، فإن أراد أن ينفذ أمراً ، فليبتدىء توكيلاً . 8686 - وإن فرَّعنا على القول الثاني ، وجعلنا ابتعاث السلطان تحكيماً ، فلهما أن ينفذا ما يريان الصلاحَ فيه ، فإنْ رأيا الطلاقَ ، طلَّقَا على السخط من الزوج . وذكر الأئمة أنهما يختلعان المرأةَ بشيء من مالها ، وإنْ لم ترض . وهذا متفق عليه في التفريع على هذا القول . فإن أنكر مُنكر بذلَ مالِ مطلقة في الافتداء بغير إذنها ، فهو كتطليق زوجة إنسان من غير إذنه ، والأموال قد تدخل تحت الحجر ، والطلاق لا يدخل تحت الحجر ، فإذا احتكم الحَكَمُ في الطلاق ، لم يبعد فرض الاحتكام على مال الزوجة في طلب الصلاح . 8687 - ثم نتكلم وراء هذا في أمور مهمة بها تمام البيان ، فنقول أولاً : نصُّ القرآن مشعر ببعثه الحكمين ، وهذا فيه تأمل على الطالب ، فإنَّا إن اعتقدنا التحكيم [ منهما في مرتبة ] ( 1 ) الولاية ، فالعدد يبعد اشتراطه في الوالي ، وإن نزّلناهما منزلة الوكيلين ، فالعدد ليس بشرط أيضاً ، وسنذكر في وكالة الخلع - إن شاء الله تعالى - أنَّ الشخصَ الواحدَ يجوز أن يكون وكيلاً في الخلع من الجانبين على أحد الوجهين ، فإن كان يتجه رعاية العدد على قول التوكيل عند مسيس الحاجة إلى الخلع ، فيلزم من مساق هذا الاكتفاءُ بوكيل من جانبه إذا كانت هي تختلع بنفسها . فإذا جعلنا ذلك تحكيماً ، ففي المسألة احتمال ظاهر ، يجوز أن نتبع القرآن ولا نعقد لظاهره تأويلاً ، ونشترط حكمين ، ويجوز أنْ نحملَ العدد على الاستحباب ، بدليل اتصاله بوصفٍ ليس مشروطاً ، وهو قوله تعالى : { مِنْ أَهْلِهِ } . { مِنْ أَهْلِهَا } [ النساء : 35 ] وهذا مستحَب غيرُ مستحَق إجماعاً . وقد يشهد للاكتفاء بالحاكم الواحد حديثُ حبيبة ( 2 ) بنت سهل ، فإنَّ الرسول قطع النكاح بينهما بتّاً لما اطلع على

--> ( 1 ) في الأصل : فيهما ومرتبة . ( 2 ) حبيبة بنت سهل الأنصارية هي زوجة ثابت بن قيس التي اختلعت منه فيما يرويه أهل المدينة ، =