عبد الملك الجويني

265

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإنما وقع لهذا المصنف هذا من قول الأصحاب : إنه إذا قصد الإقامة ، لزمه القضاء من هذا الوقت ؛ فظن أن قصد الرجوع في قطع الإقامة كقصد الإقامة في قطع السفر ، وهذا ظاهر السقوط ، ولا مصدر له عن فكرٍ ؛ فإنَّ الإقامة تحصل بمجرد القصد ، كما تحصل [ القِنية ] ( 1 ) في البضائع لمحض النية ، ولا تنقطع الإقامة إلاَّ بفعل السفر ، كما لا ينعقد حول التجارة إلا بإنشاء عقد التجارة ، فليس هذا إذاً معدوداً من المذهب . وقد ذكر العراقيون اختلافاً للأصحاب على مناقضة هذا ، فقالوا : إذا سافر الرجل ببعض نسائه عازماً على الانتقال إلى البقعة المقصودة ، فهذا ظلم منه ، وإذا انتهى إلى البقعة [ المأمومة ] ( 2 ) ، فالأيام التي تتفق الإقامة فيها ( 3 ) بها مقضية ، والأيام [ التي ] ( 4 ) قطع [ فيها ] ( 5 ) المسافة من الوطن إلى البقعة ، فعلى وجهين : أحدهما - أنها لا تُقضى ؛ فإنها أيام سفر ، والمسألة مفروضة في الإقراع واتباع خروج القرعة لا محالة . والثاني - أن تلك الأيام مقضية ؛ فإنها قصدُ ظلم ، فكانت في معنى الظلم ، وهذا [ أوجه ] ( 6 ) ، والوجه الأول مزيف ، وليكن ميل الفقيه في الباب إلى القضاء ، مهما وجد فيه مستمسكاً . 8658 - وإذا أقام في البقعة التي قصدها ، وثبت له حكم الإقامة ، وانقطعت رخص المسافرين ، ثم إنه أنشأ سفراً من تلك البقعة قُدُماً ، وهو مُستدبر وطنَه مثلاً ، فإن قلنا : أيام رجوعه إلى الوطن مقضية - فهذه الأيام مقضية ، وإن قلنا : أيام الرجوع

--> ( 1 ) غير مقروءة بالأصل . والقِنية : الاقتناء ، يشير الإمام بها إلى أن من يملك عروضاً للتجارة ، إذا نوى القِنية ، أي نوى اقتناءها ، واتخاذها لنفسه ، ينقطع حول التجارة بمجرد نية القِنية . ( 2 ) في الأصل : المأمونة . ( 3 ) فيها : أي في البقعة المأمومة . وبها : أي بالزوجة التي معه . فالمعنى : الأيام قضاها في البقعة بهذه الزوجة . ( 4 ) في الأصل : الذي . ( 5 ) زيادة من المحقق . ( 6 ) في الأصل : الوجه .