عبد الملك الجويني
254
نهاية المطلب في دراية المذهب
والإضرارُ بهذه الجهة بالتي يقع التخلف عنها ، وهذان المعنيان مفقودان من المجانين . وهذا لا بأس به ، وإن لم أرَه إلا في هذا التصنيف ومؤلفه مجهول ( 1 ) عثورٌ ( 2 ) في المذهب . وعندي وراء ذلك نظر ، وهو أن مخاطبة الولي بأنْ يطوف به عليهن لا وجه لها ؛ فإنَّ الزوج العاقل لو أراد التخلف عنهن ، فلا مطالبة عليه ، وإنما يُطَالَبُ الوليُّ بما يُطَالَبُ به الزوجُ لو لم يكن مَوْلياً [ عليه ] ( 3 ) . ولو أدخل الوليُّ واحدةً على الزوج ، فهل يجب عليه أن يُثبت لكل واحدة مثلَ هذا ؟ هذا محل النظر ، فالذي ذكره معظم الأصحاب : أنه يجب ؛ تنزيلاً للولي منزلة الزوج . والذي ذكر في هذا التصنيف أن ذلك لا يجب على الولي ؛ فإنَّ عماد القَسْم ما ذكرناه من اجتناب إدخال المغايظ على المحرومات بتمخصيص المخصَّصات ، وهذا إنما يُفزع قلوبَهن من جهة الزوج ، فأما الولي ، فلا يتعلق بفعله هذا . وما ذكره الأصحاب أظهرُ ؛ طرداً للقياس الذي مهدناه من أن الولي مُخاطبٌ في المجنون بما يُخاطب به الزوجُ لو كان عاقلاً . ونحن وإن راعينا ترك الإضرار واجتناب المغايظ ، فلسنا ننكر كونَ القسم حقاً مطلوباً . وبقي في المسألة نظر في أنهن لو جِئْنَ وقُلنَ : للزوج أن يتخلف عنا بجملتنا لو كان عاقلاً ، بناءً على الاختيار والإيثار ، ونحن في أثناء ذلك نرجو عودَه إلى القَسْم ، وإذا
--> ( 1 ) مجهول : أخشى أن تكون ( جهول ) . فبعض المصنفين الذي يقصده الإمام ليس مجهولاً ! وقد صرّح النووي بأن صاحب هذا الوجه هو الفوراني . ( الروضة : 7 / 347 ) . وغفر الله لإمامنا إمام الحرمين ، فليس أبو القاسم الفوراني جهولاً ، ولا مجهولاً ، ولكنه " استيلاء النقص على البشر " . ( 2 ) عَثور : أي كثير العثرات . وقد أشرنا أنه يقصد بقوله : " بعض المصنفين " أبا القاسم الفوراني ، وأنه كثير الحطّ عليه . ولكن لم يبلغ ذلك إلى الوصف بأنه ( مجهول عثور ) إلا هذه المرة . ومع ذلك يُظهر إعجابه بقوله ، ويثبته في كتابه . ويا للعجب كيف يصنع الغضب حتى بالكبار ! ! ( 3 ) في الأصل : عنه .