عبد الملك الجويني

19

نهاية المطلب في دراية المذهب

وما ذكروه في تبدل المستوفي جارٍ على [ القياس ] ( 1 ) ؛ فإنه استحق المنفعة وملكها ، والشرع سلَّطَهُ على إحلال غيره محل نفسه بالإعارة والإجارة ، ومن ضرورة ذلك تبدل المالك والمستوفي . ثم قالوا : ما يقع به الاستيفاء بمثابة الثوب يعيَّن للخياطة ، فيقول مالكه : استأجرتك لتخيط هذا الثوب ، فاستيفاء المنفعة يقع بذلك الثوب . فلو أراد مالك الثوب أن يأتي بثوب مثلِه ؛ فهل له ذلك ؟ فعلى وجهين : أظهرهما - أنَّ له ذلك . وتبديل الثوب كتبديل المستوفي ؛ فإنَّ المستحَق خياطةٌ للأجير ، ولا يختلف الغرض بتعدد الثياب مع تماثلها . والوجه الثاني - أنَّ ذلك الثوب يتعيَّن ؛ [ فإن ] ( 2 ) العقد كما عيّن العاملَ - حتى لا يجوز له أن يقيم غيرَه مقام نفسه ، وإن كان عملُ غيره بمثابة عمله أو أفضل من عمله ، فكذلك اقتضت الإجارة إيقاع عملٍ في عين ، فيجب تعيّنها حتى لا [ يقع ] ( 3 ) إبدالها . وهذا القائل يعسر عليه الفصل بين تبدل المستوفي - الممثَّل براكب الدابة - وبين تبدل الثوب : والممكن فيه أن منفعة الدابة لا تقع بالراكب ، وإنما هو انتفاع من غير تأثر به ، والثوب يتأثر بالخياطة ويقع فيه وتبقى ما يبقى ، حتى اختلف قول الشافعي في أنها إجارة أو عين ؟ كما ذكرنا القولين في كتاب التفليس . وهذا المعنى يجري في المتعلم المستأجِر ؛ فإنه يتأثر بالتعلم ، وإن كان من وجه [ مستوفياً ] ( 4 ) للمنفعة ، فقد ساوى مكتري الدابة ؛ من حيث إنه يستوفي المنفعة المستحقة ، وهو في التحقيق كالثوب الذي تقع الخياطة به ، من جهة تأثره بالتعلم . ثم حاصل ذلك يرجع إلى تعلق الأثر بهذه العين ، والأعيان لا يدخلها الإبدال في العقود الواردة على الأعيان ، فهذا مبلغ الإمكان في التوجيه ، والأصحُّ الأول .

--> ( 1 ) زيادة مكان بياضٍ بالأصل . ( 2 ) في الأصل : أن . ( 3 ) في الأصل : يمنع . ( 4 ) في الأصل : مسبوقاً .