عبد الملك الجويني
170
نهاية المطلب في دراية المذهب
أنها تستحق المهرَ بالعقد ، نُظِر ، فإن كانت عالمة بمهر مثلها ، صح إبراؤها ، وإن كانت جاهلة بمبلغ مهر المثل ، فلا يصح إبراؤها فيما جهلته ، وهل يصح إبراؤها في المقدار المستيقن ؟ فعلى قولين . وبيان ذلك أنها لو استيقنت أن مهرها لا ينقص عن ألف ، وجوّزت أن يبلغ ألفين ، فإذا أبرأت عن مهر مثلها لم يصح إبراؤها عما هي مترددة فيه . وهل يصح إبراؤها عن الألف المستيقن ؟ فعلى ما ذكرناه . فإن قيل : إذا فرعتم على أن المفوضة لا تستحق بالعقد شيئاً ، فهلا جعلتم إبراءها عن مهر المثل إذا علمته بمثابة الإبراء عما لم يجب ، ووُجد سببُ وجوبه ؟ [ و ] ( 1 ) في مثل هذا قولان ؟ قلنا : ليس هذا بمثابة إبراء المرأة عن نفقة غدها ؛ فإن النفقة وإن لم تكن واجبة في الحال ، فالنكاحُ يفضي إلى وجوبها من غير سببٍ آخر ، فاستمر القولان في مثل ذلك ، ومهر المفوضة على قولنا : إنها لا تستحق شيئاً بالعقد لا يثبت إلا بسبب سيحدث ، يتعلق إنشاؤه بالاختيار : كالفرض والمسيس . وقد ذكرت قولاً جامعاً في ضمان ما لم يجب في ترتيب القديم والجديد ، والإبراءُ عما لم يجب بمثابة ضمان ما لم يجب . 8537 - ومما يجب التنبه له أن نص الشافعي في كتبه يشير إلى أن المفوضة لا تستحق بالعقد شيئاً ، وفي هذا الفصل من نص الشافعي ما يدل على أنها تستحق بنفس العقد المهر ؛ فإنه قال : " فأما في الصداق غير المسمى أو الفاسد فالبراءة في ذلك باطلة لأنها أبرأته مما لم تعلم " . فقوله : " الصداق غير المسمى " يشير إلى صورة التفويض . ثم أبطل الشافعي الإبراء ، وعلل إبطاله بأنها أبرأت عما لم تعلم . ولو كان الصداق غير واجب بالعقد ، لكان تعليل إبطال الإبراء [ بعدم الوجوب ] ( 2 ) ؛ فإن ما لا يجب لا يعلل إبطال إسقاطه بكونه مجهولاً ؛ إذ المجهول ثابت على الجهالة وهذا حسن .
--> ( 1 ) ( الواو ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : يعد من الوجوب .