عبد الملك الجويني
13
نهاية المطلب في دراية المذهب
والوجه الثاني - وهو الأصح ، أنَّ الاستئجار على الأذان جائز من الإمام ومن آحاد المسلمين ؛ فإنه ليس عبادة مفتقرة إلى النية ، ولا فرضاً يلابسه المكلف ، وإن كان يرجع نفعه إلى المسلمين ، فنفع القرآن كذلك يرجع إلى المسلمين . والوجه الثالث - أن الإمام ومن يتولى الأمر من جهته يجوز أن يستأجر المؤذن ، وليس يسوغ ذلك لآحاد الناس ، وكثيرٌ من العقود يختص جوازه بالوالي إذا كان متعلقاً بالمصالح العامة . ثم إذا جوزنا الاستئجار على الأذان ، فقد ذكر شيخي وغيره خلافاً في أنَّ المؤذن على ماذا يأخذ الأجرة ؟ وحاصل المذكور ثلائة أوجه : أحدها - أنه يستحق الأجرة على رعاية المواقيت . والثاني - أنه يستحقها على رفع الصوت . والثالث - أنه يستحقها على الحيعلتين ، فإنهما ليسا من الأذكار ، وسبب هذا الاختلاف أنَّ الأذان أذكار لله تعالى [ يردّدها ] ( 1 ) المؤذن ، فبعُد عند الأصحاب استحقاق الأجرة على أعيانها . والصحيح عند المحققين أنَّا إذا جوزنا الاستئجار على الأذان ، فالأُجرة مستحقة على جميع الأذان بما فيه ، ولا بُعدَ في استحقاق الأُجرة على ذكر الله تعالى ، كما لا بُعد في استحقاقها على تعليم القرآن ، وإن كان التعليم من ضرورته قراءة القرآن . 8360 - ومما نذكره : الاستئجار على تعليم العلم ، وقد ذكر شيخي وغيره مَنع الاستئجار على التدريس ، وردد الشيخ أبو بكر الطوسي فيما نقله عنه أبو بكر المفيد ( 2 )
--> ( 1 ) في الأصل : يبدّدها . ( 2 ) لما نصل إلى شيء قاطع في ترجمة أبي بكر المفيد ، فالطوسي الذي نقل عنه المفيد متوفى سنة 420 ه - . والمسألة في المذهب مشهورة عن أبي بكر الطوسي ، ولكن لم نجد من صرح بناقلها عنه ، وأنه أبو بكر المفيد - فيما نعلم - إلا الإمام . والذي وجدناه بهذه الكنية واللقب ( أبو بكر المفيد ) هو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب البغدادي الجرْجائي المتوفى سنة 378 ه عن نيف وتسعين سنة ، فهل يمكن أن يكون ناقلاً عن الطوسي المتوفى سنة 420 ؟ ؟ الله أعلم . =