عبد الملك الجويني

8

نهاية المطلب في دراية المذهب

للقتل " ( 1 ) والمعنَى أنّ قتلَ القاتل وإن كان [ إزهاقَ ] ( 2 ) روح ، ففيه إفادةُ [ انزجار ] ( 3 )

--> = وبين يديّ الآن واقعةٌ قائمة تشهد بصحة ما أقول ، حيث تحقق فيها الاحتمالان معاً ، فقد وجدنا الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ، يقع على وهم غليظ للرافعي في ( الشرح الكبير ) ، فيحسن الظن به ، ولا يؤاخذه بمقتضاه . وتفصيل ذلك : أن ابن حجر نقل عن الإمام الرافعي في كتاب الأطعمة من ( الشرح الكبير ) قوله " وفي النهي عن قتل الوزغ دليل على تحريم أنواع الحشرات " ثم عقب الحافظ قائلاً : " هذا من أعجب المواضع التي وقعت لهذا المصنف مع جلالته ؛ فإنه خلاف المنقول ، ففي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ ، وسماه فويسقاً " وللبخاري ومسلم عن أم شريك : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ " . . . ثم عقب قائلاً : " ولعله رحمه الله أراد أن يكتب وفي الأمر بقتله ، فكتب وفي النهي عن قتله " ( ر . تلخيص الحبير : 4 / 285 ، 286 ) . فالحافظ يحمل الأمر على سبق قلمٍ غير مرادٍ . خامساً - لقد علّمنا إمام الحرمين أن نتوقف في مثل هذا ، ولا نؤاخذ به قائله ، فقد رأيناه في كتابنا هذا كلّما نقل كلاماً ظاهرَ الخطأ عن أحد الأئمة ، يقول : " وهذا زلل في النقل ، فقدرُ الرجل عندي أجلُّ من أن يُنْسَب إليه هذا " وأحياناً يجعلها قاعدة عامة وقانوناً متبعاً ، فيقول : " وليس يليق نسبة أحد من المرموقين إلى نحو هذا ، بل يجب الحمل على الخلل في النقل " تكرر هذا منه عشرات المرات ، وآخر ما رأيته من ذلك ما بين يدي اليوم قوله : " ورأيت في نسخة من نسخ الصيدلاني إلحاقَه المبعَّضَ بالمدبّر وأم الولد ، وهذا خطأ صريح ، وأحسَبه من خلل النسخة ، وسأراجع نسخة أخرى إن شاء الله تعالى " ا . ه - . بنصه من كتاب الحدود في مسألة إقامة السيد الحد على مملوكه . فهو - يعلّمنا أن مثلَ هذه الأخطأء الصريحة لا يصح أن تحمل على الأئمة . ( 1 ) في الأصل : " القتل نفي القتل " والمشهور المعروف ما أثبتناه ، أورده الميداني في مجمع الأمثال ( ر . معجم الأمثال العربية : 3 / حرف القاف ) . وقد جرت واحدة من كبريات المعارك الأدبية في العشرينيات ( 1923 ) حول هذه العبارة ، حيث ادعى أحدهم أنها أبلغ من الآية الكريمة " ولكم في القصاص حياة " وجلّى في هذه المعركة عملاق الأدب العربي الأصيل مصطفى صادق الرافعي رحمه الله وهو من الذين عُمِّيت أخبارهم وعُفِّي على آثارهم ؛ فحرمت الأجيال من نبعٍ صافٍ أصيل وبقيت تشرب الكدر والدُّرْدي . والله المستعان على كل بليّة . إن شئت راجع طرفاً من هذه المعركة في وحي القلم للرافعي ( 3 / 397 ) . ( 2 ) مكان كلمة غير مقروءة في الأصل . ( 3 ) في الأصل : أثر جاد .