عبد الملك الجويني
578
نهاية المطلب في دراية المذهب
البئر ، وهلك ، فما ذكره الأصحاب من قياس الدفع ينبغي أن يكون الضمان على المبتدىء بالحفر ، فإنه في محل الدافع ، وذهب بعض الأصحاب إلى أن الضمان مشترك ، وهذا وإن كان يمكن توجيهه ، فهو هادم لما قدمناه في الحجر والسكين ، والحجرِ والبئر ، والسكينةُ التي ذكرناها في الدفع قوية ( 1 ) . فإذا بيّنتُ هذه المسائل ، فلا نأخذ [ في ] ( 2 ) غيرها حتى ننعطف عليها بالتنقيح والتصحيح ، ثم نأتي بعدها بما يليق بالترتيب : 10826 - فمما ذكرناه الحجر والبئر ، وتقدير الحجر كالدافع ، وهذا وإن كان متفقاً عليه ، ففيه سؤال : [ فالحجر ] ( 3 ) سببٌ في الدفع وليس دفعاً ، والبئر سبب في الهلاك وليس إهلاكاً ، فلا يبعد من طريق القياس أن يقال : اجتمع السببان ، فيشترك [ المتسببان ] ( 4 ) في الضمان ، وليس من الإنصاف أن نجعل الحجر كالدافع المباشر ، ونجعل البئر على حقيقة السبب ، فإن قدرت سبب الدفع دفعاً ، فقدِّر سببَ الهلاك إهلاكاً .
--> = العمق ، فعشرة أذرع بمقاييس عصرنا تدور بين أربعة أمتار ونصف ، وبين سبعة أمتار ونصف ، وكلاهما عميق مهلك . وتعبير الغزالي والرافعي والنووي : " فجعلها قريبة العمق " ولعل صوابها : وجعلها أربعة أذرع ، أو عشرة أشبار أو أفتار . ( 1 ) الكلام هنا في تقديم أحد سببي الهلاك على الآخر ، وإحالة الهلاك عليه دون الآخر . فالهلاك وقع في الصور الثلاث بوجود سببين معاً : البئر والحجر ، السكين والحجر ، السكين والدفعُ من الخلف ، ولولا اجتماع السببين في كل صورة ما كان الهلاك ، ولكن قدم أحد السببين على الآخر ونُسب الهلاك إليه وحده ، فجعل نصب الحجر الذي تعثر به المتردي في البئر كأنه باشر دفْعه وألقاه في البئر ، وكذلك جعل الحجر الذي نصب أمام السكين كأنه هوِ الذي دَفَع وألقى من هلك على حد السكين ، وأما الصورة الثالثة فظهور الدفع ( أقوى ) فهو دَفعٌ في الحقيقة وإلقاء على حد السكين . هذا معنى قوله : " والسكينة التي ذكرناها في الدفع قوية " أي في الدلالة على ( قياس الدفع ) كما سماه الإمام . وأخيراً نقول : ربما كانت العبارة : " وصورة السكينة التي ذكرنا في الدفع قوية " والله أعلم . ( 2 ) في الأصل : " من " . ( 3 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 4 ) في الأصل : " المنتسبان " .