عبد الملك الجويني

517

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإذا لم نجد ضبطاً واضطررنا إلى التمسك بتقريبٍ ، فأقرب الأمور أن يتلقى محل الإشكال في المسألة ممّا وجدناه فيها ، وهو مما نصصنا عليه ، غير أنا نوجب الزكاة على من ملك عشرين ديناراً ، وإن كان في اختلالٍ من حاله ، وضعف من عياله ؛ نظراً إلى مقدار الملك ونشترط في الزكاة أموالاً مخصوصة ، حتى لو ملك الرجل من العقار أموالاً لها مقدار في النفوس ، فلا تستوجب الزكاة ، والسبب في ذلك أن الزكوات من حقوق حالاتهم وحاجاتهم ، وصفة الزكاة على الضبط ، وأما ضرب العقل على العاقلة ، فمواساة بعد استغناء ، فلا نكتفي فيه بملك ، بل نشترط أن يفضل من جهات الحاجات هذا المقدار ، ثم لا نشترط تملك الأجناس المخصوصة الزكاتية ؛ فإن المواساة تعلقت بعين الباذل المُواسي ، وليست من حقوق أمواله ، والوظائفِ الشرعية المتعلقة بأعيان الأموال . فينتظم من ذلك أن الغني المخاطبَ بإخراج نصف دينار هو الذي يفضل من حاجاته هذا المقدار ، والمتوسط هو الذي [ ترقّى ] ( 1 ) عن الحاجة ، ويقع ملكه دون المقدار الذي ذكرناه . 10766 - ثم الذي ذكره الأصحاب أن نصف الدينار مأخوذ من أقل الزكاة ، وربع دينار مأخوذ من نصاب السرقة ، ولست أنسب ربع دينار إلى حساب العشرين ، حتى يقال : المتوسط من يكون على شطر الغنيّ في فاضل ماله ، هذا لا سبيل إلى التحكم به ، ولكن يكفي في رتبة التوسط أمران : أحدهما - [ التعلِّي ] ( 2 ) عن الحاجة ، والانحطاط عن رتبة الغنى ، على ما شرط ألا يصير ببذل الربع إلى درجة الحاجة ؛ فإن مبنى الباب على المواساة من غير تعريض من يواسي للضرار ، والاقتصارُ على هذا المقدار النزر أصدق شاهد فيما ذكرناه . فهذا هو الذي اعتلقه فهمي ، وليس عندي فيه نقلٌ ، ولا تحويم عليه ، وإنما ذكرتُه أخذاً من المقدار الذي صادفته منصوصاً عليه للأصحاب ، وعلمتُ قطعاً أنهم لم يُعنَوْا ببيان ما تورطنا فيه ، وفوّضوا الأمر فيه إلى درك الفاهم ، فهذا منتهاك ، والرأي

--> ( 1 ) في الأصل : " يوفي " . ( 2 ) في الأصل : " التعلق " .