عبد الملك الجويني
40
نهاية المطلب في دراية المذهب
بعمد ؟ ثم تولّع بالجَرْح والجرحُ تقطيع ، ولو والى بالمثقلات على إنسان حتى ترضضت عظامه وراء الجلد ، فقد حصل التقطّع ، وبالجملة مذهبه خارج عن مسالك العقول . 10285 - فأما ضبط مذهبنا ، فالكلام ينقسم في [ الأسباب ] ( 1 ) غير [ المذفِّفة ] ( 2 ) : إلى ما يتعلق بالظواهر ولا يجرح ، وإلى الجراحات . فأما ما يتعلق بالظواهر ، فالذي أطلقه الأصحاب فيه أن كلَّ ما يُقصد به القتلُ غالباً ، فهو العمد إذا تجرد القصد إليه ، ثم سنوضح أن هذا يختلف باختلاف الحال والأشخاص والأوقات . وما لا يقصد به القتل غالباً ، فليس بعمد ، وإنما هو شبه عمد ، وكان شيخي يقول : العمد المحض في هذه الأسباب يتحقق فيما يكون القتل مقصوداً به ، وشبه العمد [ ما لا يكون القتل مقصوداً به ] ( 3 ) ، ثم قد يفضي إلى القتل ، وهذا كلام منتظم في هذا القسم ، ولم نذكره لنعوّل عليه ، وبيان الفصل موقوف على نجازه . فأما الجراحات ، وفيها معظم المقصود ، فقد أطلق الأصحاب أن من قطع إصبعاً أو أنملةً ، وسرت الجراحةُ ، وترامت السراية إلى الزهوق ، فالقصاص واجب في النفس ، ونحن نعلم أن إفضاء قطع أنملة إلى الروح لا يعد [ مما ] ( 4 ) يغلب ، بل هو [ نادرٌ ] ( 5 ) ، فلا يطَّرد إذاً في الجراحات ما ذكرناه من الأسباب المتعلقة بالظواهر من قصد القتل غالباً ، وهذا مما يتمسك به أصحاب أبي حنيفة في مسألة القتل بالمثقل ، [ ولا شك ] ( 6 ) أن أمثال ما ذكرناه في الجراحات ليس مما يقصد به القتل ، وتعلّقَ القصاصُ به ، فتبين أن القصاص نيط بالجرح بعينه ، وأنه سبب القصاص لا غير ،
--> ( 1 ) في الأصل : " الأنساب " . ( 2 ) في الأصل : " المدقعة " . ( 3 ) في الأصل : " وشبه العمد ما يكون الفعل مقصوداً به " . ( 4 ) في الأصل : " بما " . ( 5 ) في الأصل : " ناكر " . ( 6 ) في الأصل : " فلا سهم " .