عبد الملك الجويني
371
نهاية المطلب في دراية المذهب
قيل له : هذا تكلف لا يتصوّر ، فإن القادر على الحروف العاقل لا يتصور أن يعجز عن نظم الحروف . وقد ظهر اختلاف أصحابنا في صورة تدنو من الأصل الذي نحن فيه وهو [ أن من ولد ] ( 1 ) أصمَّ ، فإنه لا ينطق ، وإن قوي لسانُه ، من جهة أن الصبي إنما ينطلق لسانه بالنطق لتلقِّيه [ ما ] ( 2 ) يسمع ، فإذا كان أصم ، ولم ينطق ، فلو قطع قاطعٌ اللسان مِمّن هذا وصفه ، ففي وجوب الدية عليه وجهان مشهوران : أحدهما - أنه لا تجب ؛ لأنه أخرس ، وهو الأبكم حقاً . والثاني - تجب الدية ؛ فإن اللسان [ لا نقصَ ] ( 3 ) به وسبب سقوط النطق زوال السمع . ويترتب على هذا الآن أن جانياً لو جنى على صبي قبل [ مظنة ] ( 4 ) النطق وأزال سمعه ، وتعذر بهذا السبب نطقُه ، فإن كنا نوجب الدية على قاطع لسانه ، فلا يجب على مزيل سمعه إلا دية واحدة ، وإن كنا لا نوجب على قاطع لسانه دية [ فالواجب إيجاب ديتين ] ( 5 ) على الجاني ، [ إذ جنى ] ( 6 ) على سمعه ، وأفسد لسانه ، ولا يعترض على ذلك أنه لم يُفسد نطقاً ، إذ لم يدخل وقت النطق ، لأن إفسادَ العضو [ المتهيِّىء ] ( 7 ) للمنفعة إتلافُ المنفعة ، ولهذا قلنا : من قلع سن من لم [ يُثغر ] ( 8 ) ، فلم يَنبُت سنُّه ، كملت الدية على الجاني ، لا من جهة [ اعتدائه على السن ] ( 9 ) ، ولكن من جهة إفساده [ للمنبت ] ( 10 ) . ولو كان الإنسان في الخلقة مقصوم الفقار ورجلاه سليمتان ، لا آفة بهما ، ولو كان
--> ( 1 ) في الأصل : " وهو أدنى ولو أصم " . ( كذا تماماً ) . وهو تحريف ظاهر . ( 2 ) في الأصل : " فيما " . ( 3 ) في الأصل : " لا يقتص " . ( 4 ) في الأصل : " فطنة " . والمثبت من عبارة الرافعي في الشرح الكبير . ( 5 ) في الأصل : " قالوا به إيجاب وتبين " . ( 6 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 7 ) في الأصل : " التهيؤ " . ( 8 ) في الأصل : " يبعد " . ( 9 ) في الأصل : " إعراضه على المسي " . ( كذا تماماً ) ( انظر صورتها ) . ( 10 ) في الأصل : " للسبب " .