عبد الملك الجويني

266

نهاية المطلب في دراية المذهب

أنا هل نقلع سنه مرة أخرى ؟ فعلى وجهين : أحدهما - أنا نقلع ، وكلما عادت ، عدنا ، إلى فساد المنبت . والوجه الثاني - أنا لا نقلع ، ولكن نعود إلى الدية ، ثم لا يخفى النظر في الحكومة ؛ فإن القلع الأول لم يقع عن جهة القصاص ، وشفاءُ الصدر في هذا يأتي في كتاب الديات . ثم إن لم نجعل للعود حكماً ، ابتدرنا القصاص ، ولم نؤخره ، وإن جعلنا للعود حكماً ، لم نستوف القصاص إلى تحقق فساد المنبت من المجني عليه . 10521 - قال الشافعي رضي الله عنه : " ومن اقتص بغير سلطان عُزِّر " ( 1 ) . قد ذكرنا أن مستحق القصاص لا يستبد باستيفائه ، بل يتعين عليه رفعه إلى السلطان ، فإن استبد ورأى الإمام تعزيره عزَّره ، ووقع القصاصُ موقعه . ثم ذكرنا أن القصاص في النفس يجوز أن يكله الإمام إلى الولي . وفي القصاص في الطرف خلافٌ ، وقطع الأئمة بأنه لا يكل حدَّ استيفاء القذف إلى المقذوف ؛ فإن التفاوت في الجلدات عظيمٌ ، فالمراتب إذاً ثلاث : نفسٌ ، وقطعُ طرف ، وجَلْد . ولكل مرتبة حكمها . ومن عليه القصاص إذا أتى بصورة العقوبة من نفسه ، فإن كان بغير إذن المستحِق ، لم يقع الموقع ، وإن كان بإذنه ، ففي وقوع القصاص الموقعَ وجهان ، ولعل الأصح وقوعه موقعه ، ولو استناب المستحقَ بالحضرة أجنبياً ، [ فمن ] ( 2 ) زعم أن القصاص لا يقع الموقع ، قال : فهَلْكُ نفسه يخرج عن كونه نائباً لغيره ، وما يظهر منه يقع على حكم الاستبداد ( 3 ) ، وينمحق فيه أثر الإذن . وشبه الأصحاب هذا بما لو قال المكرِه : إن قتلت نفسك وإلا قتلتك ، فقتل نفسه ، لم يكن مكرهاً ، وهذا تشبيه باطل ؛ فإن معنى الإكراه أن يُحمَل المرءُ على أمرٍ بسبب عظيم الموقع عنده ، وهو يبغي الخلاص عما خُوِّف به ، وإذا كان التخويف بالقتل والمستدعَى القتل الذي به التخويف ، لم يتحقق الإكراه .

--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 122 . ( 2 ) في الأصل : " ومن " . ( 3 ) أي كأنه قتل نفسه من غير إذن مستحق القصاص ، فحكمه أن فعله هذا لا يقع الموقع .