عبد الملك الجويني
243
نهاية المطلب في دراية المذهب
صاحب الأنملة العليا أجيب ، فاقتصّ ، وصاحب الوسطى لو أراد الابتداء بالمطالبة ، لم يُجَب ؛ فإن الوسطى منه قطعت ولا عليا عليها ، ولو قطعنا الوسطى من الجاني قبل استيفاء العليا ، كنا متلفين أنملتين في مقابلة أنملة ، ولا سبيل إلى هذا . والوجه أن نذكر مسلك الأصحاب ، ثم نختتم الفصل بمباحثة القفال رضي الله عنه ، فنقول : إن قطعنا الأنملة العليا قصاصاً ، ثم قطعنا الوسطى عن الوسطى قصاصاً ، فقد ترتب الأمر . وإن لم يطلب صاحب العليا ، وطلب صاحبُ الوسطى ، لم نجبه إلى ذلك ، فلو قال : إذ حُلْتم بيني وبين القصاص ، فادفعوا إليّ المال للحيلولة ، فهل يجاب إلى المال ؟ فيه خلافٌ مشهور بين الأصحاب ، وقد ذكروا رضي الله عنهم أحكاماً ، وصاغوا لها صيغاً وطردوا الاختلاف فيها ، وجميعها تدور على معنى واحد : قالوا : لو أخذ المال ، ثم سقطت الأنملة العليا ، فهل يردّ المال ويطلب القصاصَ ؟ فعلى وجهين ، سبقت لهما نظائر في الغرامات ، والمراجعات في أرش العيب القديم في المبيع ، فلا حاجة إلى إعادتها . قالوا : وهل له طلب المال من غير عفو ؟ فعلى وجهين . وقالوا : نفس أخْذ المال هل يكون عفواً منه عن القصاص ؟ فعلى وجهين ، وجميع ذلك يرجع إلى ما ذكرناه من أن الحيلولة في القصاص هل تُثبت حق الرجوع إلى المال ؟ فإن لم تَثْبُت الحيلولةُ مقتضيةً لذلك ، لم يُجب إذا طالب ، وإن قنع بالمال ، لم يرجع إلى القصاص ، [ وأَخْذُه المطلق ] ( 1 ) للمال عفو . قال الشيخ أبو بكر ( 2 ) : إذا قَتَلت المرأةُ ، واستوجبت القصاص وهي حامل ، فهل [ لمستحق ] ( 3 ) القصاص طلبُ المال للحيلولة ؟ قال : فيه احتمال ، كمسألة الأنملة التي نحن فيها .
--> ( 1 ) في الأصل : " وأخذ المطلق " . والمعنى أن الأخذ للمال مطلقاً عفوٌ ، بغير قيد العفو . ( 2 ) الشيخ أبو بكر : هو الصيدلاني . ( 3 ) في الأصل : " يستحق " .