عبد الملك الجويني
208
نهاية المطلب في دراية المذهب
بجرح ، كان نادراً ، وقد يقع التأكّل وسقوط الأجرام ، هذا أحد القولين . والقول الثاني - إن السراية فيهما جميعاً موجبةٌ للقصاص ؛ طرداً للقياس في منتهى سرايات الجراحات ، والدليل عليه أن زهوق الروح بقطع الأكلة ليس بالعام الذي يحكم بأنه الغالب ، ثم إذا أفضت الجراحة التي وصفناها إلى زهوق ، الروح ، تعلق وجوب القصاص بها ( 1 ) . 10471 - فإن جرينا على ظاهر المذهب ، وفرّقنا بين لطيف البصر وبين جِرم الأعضاء ، فقد كان شيخي يتردد في بطش الأطراف التي فائدتها البطش ، فيقول : يجوز أن يجعل [ كلطيفة البصر ] ( 2 ) حتى يقال : إذا أذهبت الجناية بطشَ عضوٍ ، جرى القصاص فيه ، كما يجري في لطيفة البصر ، وقد نص على ذلك صاحب التقريب في كتابه ، وكان شيخي لا يُبعد أن يُفرّق بين البطش وبين لطيفة البصر ، فقال : إزالة البطش بالسراية يعسر عسر إزالة الأجرام ، بخلاف لطيفة البصر ؛ فإنها ألطف المعاني وأحراها بأن تؤثر النكايات فيها ، ونزّل الأصحاب لطيفةَ السمع منزلة لطيفة البصر ، ولا يبعد أن تُلحق بهما منفعةُ الكلام . ثم للأئمة تردد في العقل إذا أزاله الجاني ، وسبب التردد أنه من وجهٍ لطيفةٌ ، ومن وجه يبعد تناوله والاستمكانُ من إزالته ، وأحرى اللطائف البصر والسمع ، وبينهما الكلامُ ، ويلي الكلامَ البطشُ ، وأبعدُ المعاني عن الإزالة العقلُ . والأصحاب مترددون في جميعها ، بعد ما قدمناه من القول في أجرام الأعضاء ، فإن لم يكن من ذكر الخلاف بُدٌّ ، فليرتبها الفقيه على المراتب التي ذكرناها . هذا تفصيل القول فيما يوجب القصاص في الأطراف .
--> ( 1 ) حكى الرافعي طريقة ثالثة نسبها إلى العراقيين حكوها عن أبي إسحاق وهي : " تخريج قولٍ من نصه على أن سراية الأجسام لا تضمن بالقصاص من الضوء ، والامتناع عن التخريج في الأجسام من الضوء " انتهى بنصه . والمعنى : في البصر قولان وفي الأجسام المنع لا غير . ( ر . الشرح الكبير : 10 / 218 ) . ( 2 ) في الأصل : " كل طيفة البصر " .