عبد الملك الجويني
179
نهاية المطلب في دراية المذهب
لتراضيهما ، فإن منع المَثُلة متعلق بحق الله تعالى . ومن أصحابنا من قال : لا يُمنع إدامةُ الجنس الأول ، [ لما ] ( 1 ) في النفوس من استشعار مزيد العقوبة عند فرض الانتقال من [ جنس إلى جنس ] ( 2 ) ، والكلام مفروض في الأسباب الموجِبة ، فلا يظهر أثر المَثُلة عند استمرار السبب [ الموجِب ] ( 3 ) زماناً . هذا إذا [ كان ضرب الرقبة ] ( 4 ) أهون . فأما إذا كان الإبقاء في النار أهون ، هذا مما صوره المحققون وأطلقوه ، وكان شيخي [ يأبى ] ( 5 ) تصور هذا ، ويقول : القتل بالسيف أهون في حق كل أحد من سائر الجهات ، ويمكن أن يقال : هذا مفروض فيه إذا كان لا يتأتى قتله بالسيف وهو في النار ، وإذا طلبنا إخراجه ، عظُم شقاؤه ، وإذا تُرك يرجى هلاكُه ، وليس يبعد تصوير ذلك على هذا الوجه . فإذا أخذنا بتصوير هذا ، فقد ذكر الأصحاب وجهين : أحدهما - أنه يبقى في النار ، لأنه أسهل عليه ، والثاني - لا يبقى بل يُخرج وتحز رقبته : أما وجه إبقائه في النار ، فبيّن ، وهو رعايةٌ لحقه والتوحِّي ، وينضم إليه اتحاد جهة العقوبة ، فأما من قال : إنه يقتل بالسيف ، مع الاعتراف بأن القتل بالسيف أشق ، فلا وجه لهذا إلا إذا صور أن القتل بالسيف أقربُ من جهة الزمان ، فيقول مستحق القصاص عجّلوا لي حقي ، فإن كان يفرض القتل بالإبقاء أوْحى ، أو كان في مثل [ مدة ] ( 6 ) القتل بالسيف ، فلا اتجاه أصلاً - مع انتهاء الكلام إلى هذا المنتهى - [ لقول ] ( 7 ) من يقول : إنه يقتل بالسيف . نعم ، غاية الإمكان في توجيه هذا الوجه أن يقال : الوَحِيّ ( 8 ) بالسيف
--> ( 1 ) في الأصل : " بما " . ( 2 ) في الأصل : " من حسن إلى حسن " . ( 3 ) في الأصل : " الموحي " . ( 4 ) في الأصل : " كان استمر ضرب الرقبة أهون " . ( 5 ) مكان كلمة غير مقروءة في الأصل . ( 6 ) في الأصل : " هذه " . ( 7 ) في الأصل : " كقول " . ( 8 ) الوحِيّ بالسيف : أي القتل الوَحي ، والوحي : السريع وزناً ومعنىً ، فعيل بمعنى فاعل .