عبد الملك الجويني
126
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل قال : " ويقتل الذابح دون الممسك . . . إلى آخره " ( 1 ) . 10382 - قصد رضي الله عنه الرد على مالك ( 2 ) ؛ إذ جعل الممسكَ شريكاً في القتل ، وقاعدةُ المذهب أن الأسباب في القتل يسقط أثرها مع المباشرة الصادرةِ عن الاختيار التام من المباشر ، وتقع الإحالة إليها ، وتزول آثار الأسباب معها ، إلا فيما يتعلق بالمأثم ، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سعى في دم أخيه المسلم ولو بشق كلمة ، حشر يوم القيامة ومكتوب على جبينه : الآيسُ من رحمة الله " ( 3 ) والمكرَه على القتل مباشر ، ولكن اختيارَه ليس بمستقل ؛ من جهة أنه [ ملجأ ] ( 4 ) إلى اختياره ( 5 ) ، والإكراه مشتبه بالمباشرة ، من حيث إنه يُفضي إلى حصول
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 103 . ( 2 ) ر . الإشراف : 2 / 817 مسألة 1556 ، عيون المجالس : 5 / 1990 مسألة 1422 ، القوانين الفقهية : 340 ، حاشية الدسوقي : 4 / 245 . ( 3 ) حديث : " من سعى في دم أخيه المسلم ولو بشق كلمة " سبق تخريجه في أول كتاب الجراح . ( 4 ) في الأصل : ( ملجى ) هكذا تماماً . ولعلّ المعنى أنه وإن كان مختاراً في مباشرة القتل فهو مضطر مكره إلى أن يلجأ إلى هذا الاختيار ، فاختياره ليس مستقلاً . ( 5 ) هذه المسألة من الغوامض المعوصات ، فمذهب الشافعي أن القصاص يجب على المكرَه ( بالفتح ) لأنه مباشر ، والمباشرة اختيار ، وقد وضّح الغزالي هذه المسألة في مقدمة المستصفى ، وجعلها مثالاً للغلط في الاسم المشترك ، الذي جعل منه ( الاختيار ) فقال : " قول الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة المكره على القتل : " يلزمه القصاص ، لأنه مختار " ويفول الحنفي : " لا يلزمه القصاص لأنه مكره وليس بمختار " ويكاد الذهن لا ينبو عن التصديق بالأمرين ، وأنت تعلم أن التصديق بالضدين محال ؛ وترى الفقهاء يتعثرون فيه ، ولا يهتدون إلى حله ، وإنما ذلك لأن لفظ ( المختار ) مشترك ؛ إذ قد يجعل لفظ المختار مرادفاً للفظ القادر ومساوياً له إذا قوبل بالذي لا قدرة له على الحركة الموجودة ، كالمحمول ، فيقال : هذا عاجز محمول ، وهذا قادرٌ مختار . ويراد بالمختار القادر الذي يقدر على الفعل وتركه ، وهو صادق على المكره ، وقد يعبر بالمختار عمن تخلى في استعمال قدرته ودواعي ذاته بلا تحرك دواعيه من خارج ، وهذا يكذب على المكره ونقيضه ، وهو أنه ليس بمختار يصدق عليه ، فإذا صدق عليه أنه مختار وأنه ليس بمختار ، ولكن بشرط أن يكون مفهوم المختار المنفي غير مفهوم المختار المثبت ، ولهذا =