عبد الملك الجويني

86

نهاية المطلب في دراية المذهب

9009 - فأما إذا فوّض إليها في ظاهر الأمر بكناية ، فأجابت بكناية ، أو اختلف الجانبان في ذلك ، فالتفصيل فيه إذا قال لها : أمرك بيدك ، أو فوضت أمرك إليك ، أو ملكتك أمرك ، أو قال : اختاري نفسك ، فهذه الألفاظ كنايات منه ، فإذا أجابت بكناية ، فقالت : اخترت نفسي ، أو أبنت نفسي ، فيتعين الرجوع إليهما ، فإن زعما أنهما نويا الطلاق تفويضاً وإيقاعاً ، وقع رجعياً إذا كانت بمحل الرجعية . ولو لم ينو الزوج ، لم يقع وإن نوت ، ولو نوى تفويض الطلاق إليها ولم تنوِ المرأة إيقاع الطلاق ، لم يقع الطلاق ، فإنها الموقعة المطلِّقة ، فينقسم لفظها إلى الصريح وإلى الكناية . وقال أبو حنيفة ( 1 ) : يقع الطلاق ، وإن لم تنوِ إذا نوى الزوج ، وكأنّ كلام المفوِّض معادٌ في جوابها ، وهذا ساقطٌ لا أصل له . وهذه المسألة مشهورة في أصحاب رسول الله عليه السلام وهي ملتطم خلافهم ، والمسألة مشهورة بالتخيير والاختيار ، فإذا قال الزوج : اختاري ، فقالت : اخترت نفسي ، فقد ذهب عمرُ وابنُ عمرَ وابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وعائشة إلى أنها لو اختارت نفسها ، وقعت طلقة رجعية ، ولو اختارت زوجها ، لم يقع شيء ( 2 ) ، وحيث حكموا بالوقوع أرادوا إذا وجدت النية من الجانبين ، وروي عن علي أنها لو اختارت نفسها وقعت طلقة بائنة ، وإن اختارت زوجها وقعت طلقةً رجعيةً ، وبه قال زيد ، وروي عن عائشة لما بلغها عن علي أنها لو اختارت زوجها وقعت طلقة رجعية اشتدّ إنكارها عليه ، وقالت : خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أترى كان ذلك طلاقاً ( 3 ) ؟

--> ( 1 ) ر . المبسوط : 6 / 210 ، تبيين الحقائق : 2 / 220 ، فتح القدير : 2 / 410 . ( 2 ) وردت هذه الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في مصنف ابن أبي شيبة : 5 / 58 - 61 - كتاب الطلاق - باب ما قالوا في الرجل يخير امرأته فتختاره أو تختار نفسها . والأمر على ما قال إمام الحرمين فيما روي عن عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة ، أما ما روي عن علي ، فهو : " إن اختارت نفسها فواحدة بائنة ، وإن اختارت زوجها فواحدة وهو أملك بها " . ( 3 ) السابق نفسه .