عبد الملك الجويني

81

نهاية المطلب في دراية المذهب

9003 - وإذا قال : إذا قرأتِ كتابي ، فأنت طالق ، فلم تقرأ ، ولم يُقرأ عليها ، لم يقع الطلاق ، ولو قال : إذا قرأتِ كتابي ، فأنت طالق ، فكانت قارئةً ، فقرىء عليها ، ففي المسألة وجهان : أصحهما - أن الطلاق لا يقع ؛ فإنها لم تقرأ . والثاني - يقع ؛ لأن هذا يراد به الاطلاع على مضمون الكتاب ، لا صورة القراءة . وهذا يحصل بأن يُقرأ عليها ، كما يحصل بأن تقرأ بنفسها . ولم يختلف علماؤنا في أنها لو طالعت الكتاب ، وفهمت ما فيه ، ولم تلفظ بكلمةٍ ، وقع الطلاق وإن لم يوجد قراءة ؛ وهذا يؤكّد أن قراءة الكتاب محمولة على الاطلاع على ما فيه . ولو كانت أُمِّيَّة ، فالذي قطع به الأصحاب أن الطلاق يقع إذا قرىء الكتاب عليها ؛ فإن القراءة في حقها محمولة على الاطلاع لا غير . وأبعد بعض من لا احتفال به ، فجعل تعليق الطلاق بالقراءة في حق الأمية بمثابة تعليق الطلاق على محال ، وهو كما لو قال : إن صعدت السماء ، فأنت طالق ، فالطلاق لا يقع ، لعدم الصعود ، وإن كان محالاً . وإذا قال لامرأته : إذا رأيت الهلال ، فأنت طالق ، فلم تره ، ورأى غيرها ، فسنذكر أن الطلاق يقع ، وإن كانت الرؤية ممكنة منها ، بخلاف ما لو قال : إذا قرأت كتابي وكانت قارئة ، فلم تقرأ ، وقُرىء عليها ، والفرق أن قراءة غيرها ليست قراءتها ، والرؤية قد يراد بها العلم ، قال الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } [ الفرقان : 45 ] معناه : ألم تعلم ربك ، وسيأتي هذا الفرع بما فيه ، إن شاء الله . ومما فرعه صاحب التقريب : أنه إذا قال : إذا بلغك نصف كتابي ، فأنت طالق ، فبلغها الكتاب كله ، فهل نقضي بوقوع الطلاق ؟ فعلى وجهين : أحدهما - يقع ؛ فإن الكتاب يشتمل على نصفين ، ففي بلوغه بلوغ نصفه . والثاني - لا يقع ؛ فإنّ النصف في هذا المقام إنما يُطلق لغرض التبعيض ، فإذا لم يتحقق التبعيض ، لم تتحقق الصفة . وقد انتهى ما يتعلق بفصل الكتاب ؛ فقهاً ، وإيضاحاً لموجب صيغ الألفاظ .