عبد الملك الجويني

61

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومن جريانه في معانٍ ، فإذا ظهر لفظٌ على إرادة معنى واحد ، فهو يُفهِمه ويُعلِمه ، وحكمنا في مساق الفقه أن من صدر منه لفظ يبتدر فهمُ الناس معناه ، فإذا زعم أنه أراد خلاف ما تبتدره الأفهام ، كان ما أضمره خلافَ ما أظهره ، وعند ذلك تترتب مسائل التَّديين ؛ فإنّ ما يُدَيّن المرء فيه يتعلق بمقتضى اللفظ ، ولكنه خلاف ما يظهر منه ، ويندر من ذي الجدّ أن يطلقه على خلاف معناه المستفيض إلا أن يريد إلغازاً أو تعقيداً ، ثم حُكمنا أنا لا نقبل في الظاهر خلاف الظاهر ، ولا نصدِّق من يبدي إضماراً على خلاف ما أظهره ، هذا معنى الصريح . وقد يثبت في النكاح تعبّد قررناه في بابه ، فلا ينبغي أن يكون على ذلك الباب التفات . وقد أطبق الفقهاء قاطبة على أن المعتبر في الأقارير والمعاملات إشاعة الألفاظ وما يفهم منها في العرف المطرد ، والعباراتُ عن العقود تُعنَى لمعانيها ، وألفاظ الطلاق عبارات عن مقاصد ، فكانت بمثابتها ، وموجب هذه الطريقة أن لفظة أخرى لو شاعت في قُطْرٍ وقومٍ شيوع الطلاق - كما قدمنا معنى الشيوع - فهو صريح ، وعلى هذا الأصل قول القائل لامرأته : أنت عليّ حرام ، أو حلال الله عليّ حرام ، ملتحق في قُطرنا وعصرنا بالصرائح . 8977 - وذهب ذاهبون من الأصحاب إلى أنا لا نزيد على الألفاظ الثلاثة : الطلاق ، والفراق ، والسراح . ولا نظر إلى الظهور والشيوع ، وهذا القائل اعتقد أن مأخذ الصرائح يتعلق بالتعبدات والتلقِّي من لفظ الكتاب وتوقيف الشارع ، وقد يعتضد في ذلك بإلحاق الشافعي الفراق والسراح بالصرائح ، [ وليست أكثر اختصاصاً ] ( 1 ) من

--> ( 1 ) عبارة الأصل : " وليس أنا اختصاص من الباين . . . " وواضحٌ أن فيها خللاً لا ندري سببه ، أهو تصحيف وتحريف أم خرم ، أم هما معاً . والصواب الذي لا يحتمل السياق غيره ، يؤديه - إن شاء الله - هذا المثبت بين المعقفين ، تصرفاً من المحقق ، فالمعنى أن الشافعي رضي الله عنه ألحق الفراق والسراح بصريح لفظ الطلاق ، مع أن البائن والبتة ، والبتلة ، والخلية ليست أقل اختصاصاً بالطلاق - في لسان العرب - من الفراق والسراح ، فدل ذلك على أن مأخذ الصرائح التلقي من لفظ القرآن ، وتوقيف الشارع .