عبد الملك الجويني
52
نهاية المطلب في دراية المذهب
أكثر مدة الحمل ، ونعود إلى التنبيه مرة أخرى ، ونقول : بنى الأصحاب وقوع الطلاق على حكم الشرع بأن الأقراء دالة على براءة الرحم ، وذلك حكم مقتفىً ، وتعبد متبع بعد وقوع الطلاق ، وكنت أود لو طلبنا في تعليق الطلاق يقين الصفة ؛ فإن الأيمان مبنية على معاني الألفاظ ، ولا فرق بين أن يقول القائل : إن قدم زيد ، فأنت طالق ، [ وبين أن يقول : إن استيقنت قدوم زيد ، فأنت طالق ] ( 1 ) ، فتحقيق القدوم مطلوب ، وإذا قال : إذا استيقنت حيالك ، فأنت طالق ، فوقوع الطلاق بثلاثة أقراء محال ، فإذا قال : إن كنت حائلاً ، فأنت طالق ، فالحكم بوقوع الطلاق من غير استيقان الحيال بعيد عن موجب الأيمان ، وقضايا الألفاظ . وقد وجدت لشيخنا ( 2 ) ما يدل على هذا ، فلذلك عدت إليه ، والعلم عند الله تعالى . 8969 - ومما يتعلق بتمام الكلام في ذلك أنه إذا قال لها : إن كنت حائلاً ، فأنت طالق ، ثم مرّ بها ثلاثة أشهر ، ولم تر دماً ، فإن كانت من ذوات الأقراء ، لم نحكم بوقوع الطلاق ؛ فإنا لا نحكم بأن عدتها تنقضي بالأشهر لو كانت مطلَّقة ، ولو كانت على سن الحيض ولكن لم تحض ، وقد قال : إن لم تكوني حاملاً ، فأنت طالق ، ومضت بها ثلاثة . أشهر ، فالأشهر في حق هذه عدةٌ بعد الطلاق ، مسلِّطةٌ على التزويج ، فإذا قال لها : إن لم تكوني حاملاً [ أو كنت حائلاً ] ( 3 ) ، فأنت طالق ، فقياس قول الأصحاب وقوع الطلاق . وهذا على نهاية البعد ؛ فإن مضي الأشهر الثلاثة أو مضي شهرٍ واحدٍِ على طريقةٍ أخرى يُفضي إلى الحكم بوقوع الطلاق ، مع أن الأصل بقاء النكاح ، والطلاقُ لا يقع بالشك . ثم قال الأصحاب : إذا حكمنا بوقوع الطلاق بعد مضي ثلاثة أقراء في ذوات الأقراء ، فأتت بولد بعد ذلك لأقل من ستة أشهر [ من وقت اليمين ] ( 4 ) ، بان أن الطلاق الذي حكمنا بوقوعه لم يقع ؛ فإنا استيقنا أنها حامل حالة عقد اليمين ، والطلاق
--> ( 1 ) زيادة من ( ت 6 ) . ( 2 ) لشيخنا : المراد والده . ( 3 ) زيادة من ( ت 6 ) . ( 4 ) في الأصل : في وقت الطلاق .