عبد الملك الجويني

357

نهاية المطلب في دراية المذهب

الزوج أنه كان راجعها من قبلُ ، فأنكرت المرأة الرّجعةَ - واقتضى ترتيب المذهب تصديقها مع يمينها ، كما سنفصل صور اختلاف الزّوجين على أثر هذا ، إن شاء الله تعالى - فلو أنها بعد ما أنكرت الرّجعة وصدقناها ، عادت فأقرت بجريان الرجعةِ - وما كانت نكحت ؛ حتى يؤدي إقرارُها إلى إبطال حق الزوج الثاني - فقد قال العلماء : إقرارها مقبول ، وإن سبق منها إنكارٌ ، وهذا قد يعترض فيه إشكال ؛ من جهة أن قولها الأول ، اقتضى تحريمها على ذلك المطلّق ، وإذا سبق منها قول يدل على تحريمها ، فقبول نقيض ذلك القول مشكلٌ . وقد قال الأصحاب : إذا قالت المرأة : أنا أخت فلان من الرضاع أو النسب ، ثم أنكرت ذلك ، وكذّبت نفسها فيما سبق منها ، فلا يُقبل قولُها الثاني ، وقد سبق منها الاعتراف بما يوجب الحرمة ، وهذا من مواقف الاستفراق ( 1 ) ؛ فقال الأصحاب : حرمة الرضاع مؤبّدةٌ مؤكّدة ، بخلاف حرمة البينونة بانقضاء العدة . وهذا لا يَشفي مع ثبوت الحرمة في الموضعين ، والاستفراق في أصل الحرمتين . وقال قائلون : الفرق أن الرضاع يتعلق [ بها ] ( 2 ) وهي أحد الركنين فيه ؛ فإقرارها به يكون على ثبتِ وتحقّقٍ ، فلا يَقبل الرجوعَ ، والرجعةُ تثبت وهي لا تشعر ، فلا يمتنع أن تنكرها ، ثمّ تذكّرَها ( 3 ) وتعترفَ بها . وهذا غير شافٍ أيضاًَ ؛ فإن الرضاع يجري في الحولين ، والمرتضِع لا يشعر به في الغالب ، وإن شعر به في الحال نسيه ، وذَهِلَ ( 4 ) عنه في المآل ، فلا خير في هذا الفرق . فالوجه إذاً أن نقول : اعترافها بأخوّة الرضاع والنسب مستندٌ إلى ثبوت ، فلم يقبل الرجوع فيه قياساً على الأقارير كلها ، وجحدُها الرجعة - وإن صُدّقت - يستند إلى نفي ذلك ، ولذلك لا تحلف على البتّ ، بل تحلف على نفي العلم ، ولا امتناع في أن تقول : لا أعلم ، ثم تعلم .

--> ( 1 ) أي طلب الفرقة بإثبات الحرمة . ( 2 ) ساقطة من الأصل . ( 3 ) " تذكر " بحذف تاء المضارعة . ( 4 ) ذهل : بفتح العين وكسرها . ( المعجم ) .