عبد الملك الجويني

323

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقال الزوج : إن كنتُ كما قلتِ ، فأنت طالق ، فهذه المسائل تجري على ثلاثة أقسام : أحدها - أن يقصد الزوج تعليقاً على التحقيق . والثاني - أن يقصد مكافأتها ليغيظها بالطلاق ، كما غاظته بما أسمعته . والثالث - أن يُطْلِق اللفظَ . فإن قصد التعليق ، فلا بدّ من النظر في الصّفات : فإن تحققت ، وقع الطلاق ، وإن انتفت ، لم يقع ، وإن أشكلت ، فالأصل أنْ لا طلاق ، ثم كثيراً ما يجري في المهاترات ، والإفحاش ، والخنا ( 1 ) في المنطق - صفاتٌ لا تكون ، فيقع الناظر في التطلب ، فالوجه الحكم بأن الطلاق لا يقع . وأنا أذكر من جملتها واقعةً رُفعت في الفتاوى ، وهي أن المرأة قالت لزوجها : يا ( جهوذروى ) ( 2 ) ، فقال في جوابها : إن كنت كذلك ، فأنت طالق ؛ فوقع المسْتَطْرِفُون وبَنُو الزمان في طلب هذه الصفة ، فذهب بعضهم إلى الحمل على صفار الوجه ، وسلك سالكون مسلك مخيلة الذل في خبطٍ لا أصفه ، وكان جوابنا فيه : إن المسلم لا يكون على النعت المذكور ، فلا يقع الطلاق ، ولم أوثر ذكر ما فيه فحش ، وفيما أوردته التنبيه التام للفطن . وإن قصد الرجل بذلك مكافأتها ، فاللفظ صريح في التعليق ، ولكن إذا أراد الزوج مكافأةً ، فلها وجه ، والتقدير : إن كنت كذلك ، فأنت طالق إذاً . ومما مهدته أن الاحتمال الخفي مقبول في وقوع الطلاق إذا أراده اللافظ . وإن أطلق اللفظَ ، فهو محمول عندي على التعليق ، إلا أن يعم عرفٌ في المكافأة ، فيجتمع وضع اللغة والعرف ، وقد سبق الكلام فيه . وقد رأيت كثيراً من المشايخ يميلون إلى المكافأة للعجز عن النظر في الصفات ،

--> ( 1 ) الخنا : الفحش في المنطق ، يقال : خنا فلان يخنو خَنْواً ، وخناً : أفحش في منطقه . ( المعجم ) . ( 2 ) كلمة فارسية وصوابها ( جهره زَرْدْ ) أي أصفر الوجه . هذا هو المعنى الحرفي ، ويبدو أنها كانت عبارةً دارجة تستخدم في السب كناية عن صفات قبيحة يفحش التصريح بها ، وقريب من ذلك قول العامة في سبابهم : يا أسود الوجه .