عبد الملك الجويني
321
نهاية المطلب في دراية المذهب
على ما يُفهم ، وإنما يتميز الظاهر عن الكلام المتردد بشيء واحدٍ ، وهو أن يفرض الإطلاق ، ثم لا يفرض مراجعة المطلِق واستفسارُه ، فما كان كذلك ، فهو ظاهرٌ ، والنص كذلك ، غيرَ أن مُطْلِقَه لو ذكر له تأويلاً ، لم يُقبل ، ولم يُرَ له وجهٌ في الاحتمال ، وأمثال هذه الألفاظ لا يستريب الفاهمون أن معانيها على خلاف ما وضعها أصحاب المعاياة ، فالوجه وضعها مع تجريد القصد إليها على حسب ما يذكره الفقيه . 9310 - ولو كان في فم المرأة تمرة ، فقال الزوج : إن بلعتيه ، فأنت طالق ، وإن لفظتيه ، فأنت طالق ، وإن أمسكتيه ، فأنت طالق ، فالمخلِّص أن تأكل نصفه وتلفظ نصفه ، ولا يحصل الحِنث بوجهٍ من الوجوه التي ذكرناها . 9311 - ولو قال - وهي في ماءٍ جارٍ : إن مكثت فيه ، فأنت طالق ، وإن خرجت منه فأنت طالق . قال الأصحاب : لو مكثتْ ، لم تطلق ، لأنّ الدُّفع من الماء التي تَلْقاها قد جرت وانحدرت ، فلم تمكث فيه ، ولم تخرج منه . وهذا قريب من الفنون المقدمة . فإن نوى الزوج الخروج من ماء النهر ، فما ذكرناه ليس بمخلِّص ، وإن خطر له ما ذكرناه ، أمكن أن يقبل ، وإن أطلق ، ففيه نظر ، وهذا من الأقطاب ؛ فإن أمثال هذه الألفاظ لو ردّت إلى اللغة ، فيمكن تنزيلها على ما ذكره الفقهاء ، وإن ردّت إلى ما يفهم منها في الإطلاق ، فالأمر على خلاف ما ذكروه ، والحمل على موجب الفهم عند الإطلاق أوْلى . هذا منتهى القول في هذه الأجناس . 9312 - وإذا كانت على سلّم ، فقال : إن نزلت من هذا السّلم ، فأنت طالق ، وإن زَنأتِ ( 1 ) ، فأنت طالق ، وإن وقفت ، فأنت طالق ، فالوجه أن تطفر إن قدرت عليه ، وإلا تُحْمل من السلم ، أو يُضْجَع السلم وهي عليه ، أو ينصب بجانب السُّلّم سُلَّم آخر حتى تتحول إليه .
--> ( 1 ) زنأتِ : أي صعدت . من قولك زنأت في الجبل إذا صعدت فيه ( المعجم ) .