عبد الملك الجويني

248

نهاية المطلب في دراية المذهب

فنقول : إذا قال الرجل لامرأتيه : إحداكما طالق ، ولم يشعر بهذا القول أحد ، ونوى إحداهما ، وكانت متعينة ، فإذا لم ترفع الواقعة إلى القاضي ، فالمطلقة في حكم الله هي المنويّة ، ولا يجب حبسٌ ووقفٌ ، وهو يقدم على استحلال المستحَلَّة عنده وعند الله تعالى . وإنما مسألة الوقف فيها إذا ظهرت هذه الواقعة لمن إليه الحكم ، فيقول : قد طلقتَ يا رجلُ وأبهمتَ ، فحق عليّ ألا أتركك تختلط بهما كما كنت تفعل من قبل ، ولست أجعل إقدامك على غشيان إحداهما بياناً ، ولو رأيتك تغشاها ، لم أتبيّن أنها المنكوحة ؛ فإن الوطء لا يُعيِّن إذا كنت نويت المطلَّقة لمَّا أطلقت اللفظ ، فقد تطوقتُ عهدةً في الشرع ؛ إذ علمتُ وقوعَ الطلاق ، وأشكل علي الأمر ، ففصِّل ، ثم أَقْدِم ، فإذا قال : أيّها القاضي عنيتُ بالطلاق هذه ، فالقاضي يرجع إلى قوله ، ويزول الاستبهام ، وبيانُه وإن استأخر بمثابة اقتران البيان بلفظه . فإن سكتت الموطوءة ، أضرب القاضي [ عنه ] ( 1 ) وقد تعينت المطلَّقة ، وإن خاصمت تلك ، قال القاضي : انكفّ عنها ، حتى تنفصل الخصومة بينكما ، كما سنبيّن فصل الخصومة . فهذا سرّ القول في الحبس الذي ذكره الأصحاب . وقد يخطر للفطن أن المرأة إذا لم تخاصم ، وقال القاضي : أبهمتَ الطلاق ، فاحلف بالله أنك عنيت بالطلاق من أبهمتها ، فلست أرى للقاضي هذا ؛ فإن الرجوع إلى الزوج في هذا ، وإنما يثبت التحليف لذاتِ حظٍّ ، وهي المرأة ، ونحن إذا قلنا : يحلَّف من يؤدي الزكاة ، فرأينا المقطوع فيه أنه استحبابٌ ، ثم ذاك محض حق الله ، والغالب في الطلاق والنكاح طلب الحظوظ . 9211 - ومما أطلقه الأصحاب في ذلك - ولا بدّ فيه من مزيد كشفٍ - أنهم قالوا : إذا حبسناه عنهما [ أو خلّينا ] ( 2 ) بينه وبينهما ، فيجب عليه أن ينفق عليهما ، ويُدرَّ

--> ( 1 ) زيادة لإيضاح الكلام ، وفي صفوة المذهب : " كف القاضي عنه " . ( 2 ) في الأصل : وخلنا .