عبد الملك الجويني

244

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولا يخفى الورع والأخذ به على أصحابه ، ولو علم الطلاقَ ، وشك في العدد ، فالواقع القدر المستيقن ، والمشكوكُ فيه لا يقع في الظاهر المحكوم به . وكذلك العتق وما في معناهما . وعلى هذا بنى الشافعي الشك في أعداد ركعات الصّلاة . 9206 - ثم إذا تمهّد أصل الباب ، فنذكر صوراً تجرّ شكوكاً منها : أنه لو طار طائر ، فقال الزوج : إن كان هذا غراباً ، فامرأتي طالق ، ولم يتبيّن له حقيقة الحال ، فلا يقع الطلاق ؛ لاحتمال أنه لم يكن غراباً ، وكذلك لو قال : إن كان غراباً ، فامرأتي طالق ، وإن كان حماماً ، فعبدي حرّ ، فلا نحكم بالطلاق ولا بالعتاق ، فإن الطائر قد يكون جنساً ثالثاً . ولو قال : إن كان غراباً فعمرة طالق ، وإن لم يكن غراباً ، فزينب طالق ، فتطلق إحداهما ؛ فإن الطائر إما أن يكون غراباً أو لا يكون غراباً ، فقد وقعت طلقةٌ مبهمة بين زوجتيه ، وسيأتي هذا الأصل في الباب ، فهو المقصود . ولو صدر هذان القولان من رجلين : قال أحدهما : إن كان غراباً ، فامرأتي طالق ، وقال الآخر : إن لم يكن غراباً ، فامرأتي طالق ، فلا نحكم عند إشكال الأمر بوقوع الطلاق على زوجةِ واحد منهما ، بخلاف ما لو اتحد الحالف وتعدّد المحلوف بطلاقه ، والفرق أن الحالف إذا اتحد ، فقد تعين الحانث ، وأمكن توجيه الخطاب عليه بربط بعض أمره بالبعض ، وحمله على مقتضى وقوع الالتباس ، وإذا تعدّد الرّجلان ، امتنع الجمع بينهما في توجيه خطاب ، ومعلوم أن أحدهما لو انفرد بمقالته ، لما حكمنا بوقوع الطلاق على زوجته ، فإذا ذكر صاحبه شيئاً ، استحال أن يتغيّر حُكْمنا على زيد بسبب مقالةٍ صدرت من عمرو ، فيتعذر المؤاخذة إذاً . وهذا قد يناظر ما إذا سمعنا صوت حدثٍ بين رجلين ، ثم قام كل واحدٍ منهما واستفتح الصّلاة ، فلا معترض على واحد منهما ؛ فإن كل واحد يورِّك ( 1 ) بالذنب على

--> ( 1 ) يورّك بالذنب على صاحبه : أي يحمله عليه ويحمله إياه . يقال : ورّك فلان ذنبه على غيره توريكاً إذا أضافه إليه وقرنه به ( اللسان والأساس ) .