عبد الملك الجويني
216
نهاية المطلب في دراية المذهب
أنت طالق إن لم يشأ زيدٌ طلاقَك ، أي إن شاء طلاقَك لم تطلقي ، فكأنه علق الطلاق بأنْ لا يشاء الطلاق . ثم ممّا يجب التنبّه له - على ظهوره - أنه إن شاء الطلاق لم يقع الطلاق ؛ فإن متعلق الطلاق أن لا يشاء ، ولو لم يبلغه الخبر ، أو بلغه ، فلم يشأ نفياً ولا إثباتاً حتى فات الأمر ، وقع الطلاق ؛ فإنه لم يعلِّق الطلاق بأن يشاء أن لا يطلِّق ، وإنما علق الطلاق بأن لا يشاء أن يطلِّق ، ثم تنتفي مشيئته بإعراضه وإضرابه ، وتنتفي مشيئته بعدم الطلاق بأن يشاء الطلاق ، ثم إذا شاء الطلاق ، لم يقع بمشيئته الطلاق ، وإنما يقع الطلاق بعدم مشيئته الطلاق . وهذا يُحوج الناظر إلى أدنى تدبّر ، وهو الذي يقفه على المقصود ، وإيجاز اللفظ الكافي أنجع وأوقع في مثل ذلك . ولو قال : أنت طالق إلا أن يشاء زيد ، فمعناه كمعنى قوله : أنت طالق إن لم يشأ زيد ، والتقدير أنت طالق إلا أن يشاء زيد أن لا تُطلَّق ، فلا تُطلَّق . 9171 - ومما يتعلق بهذا الفنّ سؤال وجواب . فإن قيل : إذا زعمتم أن متعلق الطلاق أن لا يشاء زيد الطلاق ، واعتقدتم أن عدم مشيئته متعلَّقُ الطلاق ، فلو شاء الطلاق ، ثم أعرضَ ، أو ترك ، فقد تحقق عدم المشيئة ، فأوقعوا الطلاق ، كما لو قال : أنت طالق إن شاء زيد ، فلم يشأ زيد زمناً ، ثم شاء ، فإن الطلاق يقع إذا شاء ، والثبوت بعد النفي كالنفي بعد الثبوت ؟ قلنا : هذا وهم وذهولٌ عن دَرْك معاني الألفاظ ، ( فالنفي ) المرسل محمول على العموم والاستدراك ، ولذلك يقتضي النهيُ استيعابَ الأزمنة بالانكفاف ، و ( الأمرُ ) على الرأي المحقق لا يقتضي التكرار واستيعابَ الأزمان بتجديد الامتثال حالاً على حال ، والتنبيه في مثل هذا كافٍ . 9172 - فإذا تبيَّن هذا ، عُدنا بعده إلى ما هو مقصود الفصل : فإذا قال القائل : أنت طالق إلا أن يشاء الله ، فالذي حكاه الصّيدلاني أن الطلاق لا يقع ، وحكى قولاً آخر أن الطلاق يقع ، وزعم أن الشيخ لم يحكه ، ونقل من يوثق به عن القاضي أنه كان