عبد الملك الجويني

201

نهاية المطلب في دراية المذهب

والوجه الثالث - أن الاستثناء الأول يلغو ، ويرفع من البين ، فيقدّر كأنه لم يكن ، فيبقى الاستثناء الثاني ، والطلقات الثلاث ، فكأنه قال : أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين ، ولو قال ذلك ، لم يقع إلا طلقة واحدة . وهذا على نهاية الضعف ، ولولا اشتهاره [ وتوّلع الأصحاب بحكايته ] ( 1 ) ، لما ضمَّنته هذا المجموع ، فإنه خارج عن صيغة اللفظ ، وعن حكم القصد والمراد ، وليس في المصير إليه استمساكٌ بمقتضى فقهيّ . ولو قال : أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة ، وقع الثلاث إجماعاً ؛ لأنا إن جمعنا ، لم نخصص بالجمع جانباً ، وكان التقدير أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ، وإن فرقنا ، لم نخصّص بالتفريق واحداً من الجانبين ، فيؤول الكلام إلى استثناء واحدة عن واحدة ، فيقع الثلاث على التقديرين جميعاً . وكان شيخي أبو محمد يقول : " كل تفريق يؤدي إلى تصحيح الاستثناء ، فهو مختلف فيه ؛ ميلاً إلى إيقاع الطلاق " . ولا أصل لهذا ؛ فإنا نتبع الألفاظ وصِيغَها ، فإن عنّ لفقيهٍ تغليبُ وقوع الطلاق ، عارضه أن الأصل عدم وقوعه ، ومن الأصول الممهدة أنا إذا ترددنا في وقوع الطلاق ، قلنا : الأصل عدم الوقوع . 9154 - ومما يتعلق بتتمة الفصل أمرٌ فرّعه ابن الحدّاد ، وتكلم الأصحاب فيه ، وذلك أنه قال : إذا زاد المطلّق على العدد الشرعي في الطلاق ، فالاستثناء بعده يتردّد كما نصف ونصوّر . فإذا قال لامرأته : أنت طالق خمساً إلا ثلاثاً ، فقد اختلف أصحابنا في المسألة اختلافاً مشهوراً ، فمنهم من قال : يقع الثلاث ؛ فإن الخمس التي ذكرها عبارة عن الثلاث ، فكأنه قال : أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ، ولو قال ، لوقعت الثلاث ؛ لأن الاستثناء مستغرق . والوجه الثاني - وهو اختيار ابن الحداد أنه يقع ما استبقاه بعد الاستثناء ، والخمسُ إذا استثني منها ثلاث ، بقيت ثنتان ، فتطلق طلقتين ، وسرّ هذا الوجه أنه ذكر الخمس

--> ( 1 ) في الأصل : تولع الأصحاب حكايته .