عبد الملك الجويني
172
نهاية المطلب في دراية المذهب
أنّ من ردّى نفسه من شاهقٍ ، فانخلعت قدماه ، وصلّى قاعداً ، فإذا [ استبلّ ] ( 1 ) وبرأ ، فالأصح أنه لا يلزمه قضاء الصلوات التي أقامها قاعداً ؛ من جهة أن الرخص والتخفيفات وإن كانت لا تثبت للعصاة ، فالمعصية قد انقضت بالتَّرْدية ، ودوامُ العجز كان بعد انقضائها . ومن أصحابنا من أوجب القضاء تغليظاً على الذي عصى بترْدية نفسه . وإذا عاطت ( 2 ) المرأة فأَجْهَضَتْ جنيناً ، ونُفِست ، فالمذهب القطع بأنها لا تقضي الصلوات التي تمر مواقيتها في النفاس ، وفيه خلاف . ثم من يُلزم القضاء في الضروب التي أشرنا إليها يستدل بالسّكران ؛ فإن الشّرب هو الذي يتعلق الاختيار به كترْدية النفس ، وكالسعي في الاستجهاض ، والسكر لا يقع مختاراً . وفصل المحققون بين السكر وبين الصّنوف التي قدمناها بأن قالوا : مطلوبُ من يشرب السُّكر ، وإلا فالسَّكر في نفسه والمشروب مرٌّ بشعٌ ، وليس مطلوباً ، ومبنى الشرع على التغليظ على من يبغي ما لا يجوز ابتغاؤه ، فلما كان السُّكر شوْفَ النفس ، التحق عند حصوله بمعصية مختارة ، وانخلاع القدم ، واسترخاء النفاس ليس مطلوبَ
--> ( 1 ) في الأصل : " استقلّ " ، وهو تحريف والتصويب من المحقق على ضوء أسلوب الإمام ، واستخدامه هذا اللفظ في هذا المعنى دائماً و " استبلّ " أي شُفي وعادت إليه عافيته . ( 2 ) عاطت المرأة : لم تحمل سنوات من غير عقم ، وقيل : إن ذلك بسبب سمنها وشحمها ( اللسان ، والمعجم ، والقاموس ) . ثم هي في الأصل غاطت ( بالغين المعجمة ) ومع ذلك فالكلمة ( عاطت ) غير مستقيمة في سياقها ؛ إذ المعنى أن المرأة تفعل فعلاً تتسبب به إلى الإجهاض وإلقاء جنينها ، وهذا لا تؤديه ( عاطت ) . ولما أصل بعدُ إلى اللفظة التي يظن أن هذه حرفت عنها ، مع تقليبها على جميع صورها الممكنة . والله أعلم . الآن والكتاب ماثل للطبع حصلنا على صورة من هذا الجزء من ( صفوة الذهب ) ووجدنا الكلمة فيها واضحة وهي : " وإذا ( عالجت ) المرأةُ ؛ فأَجْهَضَت " والمعنى إذا تسببت في الإجهاض وتعاطت أسبابه من شراب أو طعامٍ ، أو فعلٍ . ( فانظر واعجب كيف تصحفت الكلمة ( عالجت ) إلى ( غاطت ) ! ! ! .