عبد الملك الجويني

157

نهاية المطلب في دراية المذهب

قوله ، وهو ( 1 ) بمثابة الإقرار في الاختيار والإجبار ، وإذا أقرّ بالطلاق كاذباً ، لم يُحكم بوقوع الطلاق باطناً ، ولكن لو ادّعى أنه كان كاذباً في إقراره ، لم يُصدّق ، وإذا أكره على إقراره ، ثم زعم أنه كان كاذباً ، صُدّق ؛ لأن ظهور الإجبار يُغلِّب على الظن صدقَه في دعوى الكذب في الإقرار . هذا أحد الوجهين وبيان اختيار القفال . والوجه الثاني - أن الطلاق لا يقع ، وإن لم يُوَرِّ ؛ لأنّه أنشأ اللفظ مجبراً عليه ، فسقط حكمه ، ولم يأت بنيةٍ تُشعر باختياره . هذا ما ذكره الأصحاب . وفي المسألة مزيد تفصيل عندي ، فإن فرضت في غرٍّ غبيّ لا يفهم التورية ، فلا ينبغي أن يكون في انتفاء طلاقه تردّدٌ ، وإن كان المجبَر فقيهاً عالماً لمسألة التورية ، ولم يفته ذكر هذه المسألة حالة الإجبار ، فالأظهر عندنا أن الطلاق يقع ، [ وللاحتمال مجالٌ ] ( 2 ) بيِّن إذا لم يقصد ولم يختر ، وهذا محلّ الوجهين . ولو كان الرجل عالماً ولكن أذهله الوعيد وبهَرَهُ السَّيفُ المسلول ، فهو كالغِرّ الغبي الذي لا يذكر ولا يشعر . 9102 - ومما نذكره في ذلك أن الأصحاب قالوا : لو أكرهه المكرِه على طلقةٍ ، فقال : هي طالق ثلاثاً ، وقعت الثلاث ؛ لأنه لمّا زاد على الطلقة المطلوبة منه ، ظهر بذلك اختياره وقصدُه وإرادتُه الطلاق . وقال الأصحاب : لو أكرهه على أن يطلقها ثلاثاً ، فطلقها واحدةً ، وقع الطلاق . وطردوا في ذلك أصلاً وقالوا : مهما ( 3 ) خالف المكرَهُ المكرِهَ بزيادة على ما طلبه أو بنقصان منه ، نحكم بوقوع الطلاق ؛ لأنه إذا خالفه ، فقد أتى بغير ما طلبه ، فكان كالمبتدىء بلفظه ، وموجب ذلك الحكمُ بالوقوع . وقالوا : لو أكرهه على أن يطلّق زوجته عَمْرة ، فضمها إلى ضرّتها ، وطلقهما ،

--> ( 1 ) وهو بمثابة الإقرار في الاختيار والإجبار : المعنى أن حكم لفظ المكرَه إذا ورَّى حكمُ الإقرار بالطلاق في حالتي الاختيار والإجبار . ( 2 ) في الأصل : والاحتمال مجاز . ( 3 ) مهما : بمعنى إذا .