عبد الملك الجويني

150

نهاية المطلب في دراية المذهب

والمرتبة الثالثة في التأكيد - الإتيان بألفاظ تؤكّد معنى ما تقدم ، وهو كقول من يريد التأكيد في عمومٍ ، فيقول : رأيت القوم أجمعين ، ثم قد يتبعون هذه الكلمة بكلمٍ لا يستقل مفرده ولا يشتق من معنىً وهو كقوله : جاءني القومُ أجمعون أَكْتعون أَبْصَعون . فهذا مراتب التأكيد وأصلها التكرير ، كما ذكرنا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تحقيق أمرٍ كرّره ثلاثاً . فإذا كان هذا أصلَ التأكيد ، وكل لفظةٍ من الألفاظ التي ذكرها ليست مُفردةً في الذكر ، فإذا فسَّرها بالتأكيد ، والتأكيدُ أصلٌ في نفسه ، والتكرير أصل التأكيد ، لَزِمَ قبول ذلك منه . ولو أطلق هذه الألفاظ ، ولم يذكر أنه قصد الإيقاع أو التأكيد ، بل قال : لم يكن لي قصد ، ففي المسألة قولان : أحدهما - أنها محمولة على تجديد الإيقاع ، والثاني - أنها محمولة على التأكيد . فمن حملها على الإيقاع ، فتمسكه باستقلال كل لفظة لو انفردت . ومن حملها على التأكيد ، احتج بما مهدّناه قبلُ من أنّ أصل التأكيد التكرير ، ومن أراد التجديدَ ، فالعباراتُ الجامعة للعدد معلومة ، وقَصْدُ التجديد بتكرير الكلم ليس أصلاً ، وقَصْدُ التأكيد بالتكرير أصل في بابه ، والأصل أنا لا نوقع من الطلاق إلا ما نستيقن . 9091 - ولو قال للتي دخل بها : أنت طالق وطالق ، لحقتها طلقتان ، ولا مساغ لقصد التأكيد في ذلك ؛ فإن المؤكِّد لا يعطف على المؤكَّد ، وحكم كل معطوف أن يكون مجدّداً مستأنفاً حالاًّ محلّ المعطوف عليه في الفاصل والاستقلال . ولو قال : أنت طالق وطالق ثم طالق ، فالألفاظ متغايرة ، والحكم وقوع الثلاث إذا كان مدخولاً بها ، وذلك ؛ لأن اللفظة الثانية معطوفة على الأولى ، فلا تصلح لتأكيدها ، واللفظة الثالثة متعلقة [ بصلة ] ( 1 ) لم يسبق لها ذكر ، حتى يفرض فيها التكرير ، فاستقلت كُلّ لفظة .

--> ( 1 ) في الأصل : بصلته .