عبد الملك الجويني
132
نهاية المطلب في دراية المذهب
على الدخول ، غير أن الفاء تُستعمل جزاءً والجزاء ينتظم كذلك ، وإلا فلا يستريب ذو عقلٍ أن غرض الناطق تطبيق الطلاق على الدخول ، حتى كأنّ الدخول علّته . وإذا قال القائل : صيغة الجزاء تتضمن تعقيباً أيضاً ؛ فإن الرجل إذا قال : إن جئتني ، فأنا أكرمك ، تضمّن هذا ترتُّبَ الإكرام على المجيء . قلنا : إذا كان الجزاء فعلاً ينشأ ويكون مربوطاً [ بالشرط ] ( 1 ) ، فمن ضرورة وقوع الفعل أن يترتب ، وليس كذلك وقوع الطلاق ؛ فإنه حكمٌ لا يمتنع تقدير حصوله على الاقتران ، بل لا يمتنع تقدير حصوله متقدماً ؛ فإنه لو قال : إن دخلت الدار ، فأنت طالق ، قبْل [ دخولك ] ( 2 ) بيوم ، أمكن تقدير الوقوع كذلك ، وهذا جزاءٌ متقدم على الشرط ، غير أنّ وجه انتظام الجزاء فيه يرجع إلى نسق اللفظ ، ثم الجزاء مرتبط بالشرط على معنى أنه لا يحصل دونه ، فإن قُرن ، اقترن ، وإن قُدّم ، تقدّم ، وهذا منتظم من طريق اللفظ ، ولكن شواهد الحكم في المذهب تدل على الوقت ، وآية ذلك أن الرجل المريض إذا قال : إن أعتقت سالماً ، فغانم حرّ ، ثم أعتق سالماً في مرضه ، فإن وفّى الثلث به فحسب ، عَتَق سالم فحسب ، وهذا يدل على ترتيب العتق في غانم على سالم . ولو قال : أعتقتكما ، ازدحما على الثلث ، ومما يدل على الترتيب أنه إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها : إذا طلقتك ، فأنت طالق ، ثم طلقها ، وقع ما نجّزه ، ولم يلحقها الطقة المعلّقة ، وهذا لا يخرّج إلا على أصل الترتيب ؛ فإنا لو قدّرنا وقوع المعلّق مع وقوع المنجز ، لم يبعد الحكم بوقوعهما ، والمصير إلى أنها بانت بهما ؛ فإن قيل : لا يلحقها الطلاق المعلّق ، دل هذا على ترتب المعلق في وقوعه على المنجّز ، وهذا يشعر بترتب كل طلقة على الصفة ، وهذا بالغٌ في الإشكال ؛ فإن الذي يقتضيه اللفظ ما ذكرناه من الجمع ، والذي يقتضيه مذهب الفقهاء الترتيبُ ، وما حكيته في ترتّب الوقوع على الدخول ، وفي وقوعه معه نقلته من كلام الأصحاب . ثم لم يختلفوا أن التي لم يدخل بها لا تطلق الطلقة المعلّقة على التطليق المنجز ،
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : دخوله .